{وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) } [سورة الأنفال 8/ 63] .
وحققها في التكافل الذى استمت به تلك الأمة في تاريخها الحى كله والذى كان في أبرز صوره في ذلك الجيل المتفرد الذى كفل فيه الأنصار المهاجرين كفالة غيرة معهودة في التاريخ.
تكافل لا يقتصر على حدود الأسرة وروابط الدم إنما يتسع حتى يسعى المجتمع الإسلامى كله. ولا يقتصر على حدود الزكاة المفروضة التى ينفقها بيت المال على المحتاجين إنما يتسع حتى يصبح إنفاقا عاما في سبيل الله.
تكافل لا يقتصر على إعانة المحتاجين في المجتمع الإسلامى وإنما يشمل معانى أخرى وآفاقا أخرى غير المعونة المالية الحسية. إنه تكافل على صيانة الأموال والدماء والأعراض للجميع على حد سواء يستوى فيهم الغنى والفقير والقوى والضعيف.
"يأيها الناس إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم حرم كحرمة بلدكم هذا في شهركم هذا في يومكم هذا" [1] .
"المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم" [2] .
تكافل على الخير .. على نشر الخير في الأرض .. ورفع البشر إلى المكانة اللائقة"بالإنسان":
{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَه } [سورة التوبة 9/ 71] .
وهذا المستوى الرفيع من التكافل - الذى اهتدت البشرية إلى"التحدث"عن بعض آفاقه النظرية في قرونها الأخيرة - لا يقدر عليه بالفعل ولا يمارسه بالفعل إلا أمة العقيدة لأن كيانها الأساسى قائم عليه ولأنه جزء من بنائها النفسى وبنائها السلوكى على السواء.
ولقد حقق الجيل الأول من هذا التكافل أكبر قدر يمكن للبشر في أى جيل أن يحققوه سواء في التكافل المالى الذى خرج فيه الأنصار عن شطر أموالهم للمهاجرين أو في التكافل على صيانة القيم والمبادئ التى جاء بها الإسلام الذى تستشفه في قول الأخ المسلم لأخيه في الله:"تعالى يا أخى نؤمن ساعة!"أى نتذاكر معانى الإيمان لنمارسها في عالم الواقع .. وتراه بارزا في كون هذا الجيل أقل أجيال الأرض كلها جرائم وعدوانا وأكثرها صيانة للدماء والأموال والأعراض وأكثرها حرصا من كل أخ على
(1) من خطبة رسول الله - في حجة الوداع.
(2) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه بسند صحيح.