يعدما وصلت البشرية في النظم الديمقراطية إلي ألوان من العدل السياسي تتوهم أنه من القمم في عالم القيم والمبادئ [1] .
لقد كان الله يعد هذه الأمة لتكون رائدة البشرية كلها إلي الخير الشاهدة عليها يوم القيامة وكفلها رسول الله - يقوم بتربيتها لهذا الهدف العظيم:
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [سورة البقرة 2/ 143] .
وكانت تربية الله لهذه الأمة - من أجل القيام بدورها في الأرض - تربية عجيبة! لقد ربي الله رسوله - بادئ ذي بدء علي أنه ليس من الأمر شئ ... إلا طاعة الله وابتغاء مرضاته.
{لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128) } [سورة آل 3/ 128] .
{وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَاتِيَهُمْ بِآيَةٍ .... } [سورة الأنعام 6/ 35] .
{إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) } [سورة القصص 28/ 56] .
بل إنه علي الرغم من يقين الرسول - - المستمد من الوحي - بأن الله سيمكن لهذا الدين حتي يسير المسافر إلي صنعاء لا يخاف إلا الله والذئب علي غنمه .. فإن الله سبحانه وتعالي لم يعد رسوله - مرة واحدة في فترة التربية بمكة أنه سيشهد النصر والتمكين بشخصه! إنما كان يتنزل عليه الوحي:
{وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (40) } [سورة الرعد 13/ 40] .
وكان ذلك توجيها ربانيا لرسوله - حتي يستقر في نفسه أنه ليس له من الأمر شئ إلا تبليغ الدعوة ولا تبقي في نفسه حتي رغبته في أن يهتدي فلان أو فلان ممن كان عليه السلام يكاد يقتل نفسه من الحزن عليهم لإعراضهم عن الهدي:
{فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) } [سورة الكهف 18/ 6] .
(1) راجع إن شئت فصل"الديمقراطية"في كتاب"مذاهب فكرية معاصرة".