نعم وجدت أمم مؤمنة من قبل ارتبطت بذلك الرباط فكانت أمما خيرة ولكنها كانت محدودة الحجم محدودة الدور في التاريخ بحكم أن الرسل السابقين أرسلوا إلى قومهم خاصة. أما محمد ' الذى أرسل إلى البشر كافة فقد كانت أمته {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} فى التاريخ كله بشهادة خالقها ومخرجها على هذا النحو الفريد.
ومن كان في شك من تلك الحقيقة فليوازن بينها وبين التجمعات الكبرى في التاريخ التى جمعت أكثر من جنس أو لون أو لغة أو ثقافة وعلى رأسها التجمع الرومانى في القديم ورابطة الشعوب البريطانية (الكومنولوث Common Wealth) والتجمع الأمريكى (الولايات المتحدة الأمريكية) والتجمع الروسى (الاتحاد السوفيتى) فى الحديث.
فأما التجمع الرومانى القديم فقد كانت فيه"الدولة الأم"فى مركز السيادة الكاملة والأمم الأخرى في موضع التبعية الكاملة كما هو مشهور في التاريخ. ولم تقم فيها تلك"الأخوة"التى تجمع تلك الأمم والشعوب في رباط واحد على قدم المساواة. وحتى حين دخل قسطنطين المسيحية وفرضها على الإمبراطورية عام 325 م فلم تكن الأخوة المسيحية هى التى تحكم كل مظاهر الحياة في الإمبراطورية الرومانية غ ما كانت جانبا واحدا من الصورة وبقية الجوانب مبنية على شئ آخر بعيد كل البعد عن الأخوة والمساواة هو التبعية للدولة الأم وهامشية الدور الذى تقوم به في حياة الإمبراطورية إذ هو عبارة عن إمدادها بالمال والرجال .. المال لتكتنز الدولة الأم ويترف حكامها وكبراءها والرجال ليقاتلوا - وليموتوا - في سبيل مطامع الإمبراطورية وشهواتها أو بالأحرى مطامع الإمبراطور المقدس وشهواته! ولكن ليس لها رأى ولا موقف تجاه الدولة الأم سوى التبعية والبذل مقابل"شرف"الانتماء إلى الإمبراطورية.
وأما تجمع"الكومنولث"فلعل حادثا واحدا معينا يغنينا عن كل شرح وإفاضة لأنه واضح الدلالة في بيان حقيقة الرابطة فيه بين"الدولة الأم"و"المستعمرات"التى أطلق عليها من باب التمويه"رابطة الشعوب البريطانية"!
ذلك الحادث وقع في أثناء الحرب الكبرى الثانية حيث كانت مواقع الصحراء الكبرى تتوالى عليها قوات"الحفاء"وقات"المحور"ذهابا وأيبة إلى أن استقر الأمر لقوات الحلفاء بعد اندحار"روميل"قائد قوات المحور. وكانت مدينة"طبرق"بالذات أكثر هذه المواقع تداولا بين القوتين. وفى إحدى المرات انسحبت القوات الألمانية تحت ضغط القوات البريطانية وكان من المعتاد أن الدولة المنسحبة تزرع الأرض بالألغام قبل انسحابها لتحدث أكبر قدر ممكن من الخسائر في القوات الغازية كما كان من المعتاد أيضا - بالنسبة للحلفاء على الأقل - أن يطلقوا قطيعا من الحمر المستنفرة أو الجمال الهائجة على حقول الألغام فداء للبشر فتموت الحمير والجمال وتقل خسائر الجنوب إلى أقل قدر ممكن. أما في تلك المعركة -