فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 436

فلما قضى الأمر واستوت السفينة على الأرض وقد نجا من نجا وهلك من هلك ملأت الحسرة قلب نوح على ولده الهالك وراح يسأل ربه كيف غرف وهو من أهله وقد وعده الله أن ينجو أهله ووعد الله حق لا ريب فيه؟

هنا ينبهه الله سبحانه وتعالى أن الوشيجة الحقيقة ليست وشيجة الدم .. إنما هى وشيجة العقيدة: {يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [سورة هود 11/ 46] . وقد انفصمت وشيجة العقيدة حين أبى الابن أن يؤمن فانفصمت لها كل وشيجة أخرى ولم يعد ابن نوح من أهله مع أنه ابنه كما يؤكد القرآن باللفظ الصريح {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ} [سورة هود 11/ 42] .

وفى قصة إبراهيم جاء قوله تعالى:

{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [سورة الممتحنة 60/ 4] .

وجاء في قوله تعالى يحذر الذين آمنوا بمحمد ':

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنْ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (23) قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [سورة التوبة 9/ 23 - 24] .

فيضع روابط الدم كلها في كفة بل يضع كل مقومات التجمع الجاهلى في كفة وحب الله ورسوله والجهاد في سبيل الله في الكفة الأخرى ثم يرجح هذه على تلك وينذر الذين يخلون بالموازنين الربانية بالعذاب الأليم.

وإذا كان الإسلام من فيض رحمته وإنسانيته قد حرص على بر الوالدين - وإن كانا مشركين [1] - فالبر شئ والولاء الذى تقوم على أساسه الأمة شئ آخر .. والولاء هو الذى ينفصم انفصاما كاملا حين تنفصم رابطة العقيدة وهو العنصر الحى الذى تقوم به الأمة في ظل العقيدة وقد تأتى الروابط الأخرى فتكون أواصر إضافية: {وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [سورة الأنفال 8/ 75] . ولكن بشرط الالتقاء في العقيد ة الذى لا تقوم الأمة الحقيقية إلا عليه.

وتلك الأمة - التى قامت على رباط العقيدة - هى التى وصفها خالفتها بقوله سبحانه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [سورة آل 3/ 110] . وهى التى لم تتكرر - بصورتها تلك - في كل التاريخ.

(1) سألت أسماء رضي الله عنها رسول الله - هل تصل أمها المشركة فقال لها:"نعم صلي أمك". رواه الشيخان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت