مع من يهدد"مصالحها المشتركة"من القطعان الأخرى! إنما يكون التفاضل بين الآدميين على"القيم"التى يلتقون عليها ويتجمعون من أجلها ويحصرون عليها ويجاهدون في سبيلها. وهذه .. قبل كل ش آخر هى الوشيجة التى يمكن أن تكون"الأمة"لأنها القيم التى تستحق أن تقوم عليها حياة الإنسان بصرف النظر عن الأرض واللغة والجنس وأى شئ آخر مشترك أو غير مشترك .. ومن ثم تكون العقيدة وهى أعلى ما يمكن أن تقوم عليه حياة الإنسان هى الوشيجة الحقيقية التى تقوم عليها الأمة الحقيقية .. الأمة الخيرة .. ثم تنضوى تحتها كل العلاقات الأخرى .. علاقات الأرض واللغة والجنس وقرابة الدم فتكون هذه روافد إضافية إذا وجدت ولكنها لا تكون هى التى تكون الأمة - ولو اجتمعت كلها - في غياب العقيدة بينما تكون العقيدة وحدها - ولو غابت الروابط الأخرى كلها - هى الرباط الذى تتكون حوله أمة تتآخى بأخوة العقيدة وتترابط العقيدة وتترابط برباط الإيمان فتكون كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا [1] وكالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر [2] .
تلك هى الوشيجة التى نبه القرآن في أكثر من موضع أنها هى المعتبرة وهى المعول عليها والتى تقصم الروابط الأخرى كلها وتبقى هى لا تنقصم.
ففى قصة نوح جاء قوله تعالى:
{وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنْ الْخَاسِرِينَ (47) } [سورة هود 11/ 45 - 47] .
فقد وعد نوح من قبل أن ينجو أهله من الطوفان إلا من سبق عليه القول:
{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (40) } [سورة هود 11/ 40]
ولقد دعا نوح ابنه - وكان في معزل - ليركب في السفينة الناجية فأبى فأدركه الطوفان:
{وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنْ الْمُغْرَقِينَ (43) } [سورة هود 11/ 42 - 43]
(1) يقول تعالي في سورة الصف {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ (4) } [سورة الصف 61/ 4] .
(2) يقول:"مثل المؤمنيني في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكي منه عضو تداعي له سائئر الجسد بالحمي والسهر"متفق عليه.