إنه ذلك الحب الذى ينشئه رباط العقيدة ولا يملك رباط آخر أن ينشئه على هذا النحو الوثيق العميق الشفيف الذى يصل إلى درجة الالتحام لأنه لا يصطدم بالسياج الزائف الذى تقيمه"الأنا"حول ذاتها في جاهليات البشرية.
ولم تكن تلك المؤاخاة طبقية تقوم بين"شريف"و"شريف"ولا مؤاخاة قومية أو عرقية تقوم بالضرورة بين عربى وعربى .. إنما كانت مؤاخاة بين"مسلم"و"مسلم"بصرف النظر عن الجنس أو اللون أو اللغة أو الوضع الاجتماعى لأنها الأخوة التى قال الله عنها: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ} [سورة الحجرات 49/ 10] . تربط القلوب برباط الإيمان بصرف النظر عن كل رباط آخر.
فقد آخى الرسول ' بين عمه حمزة ومولاه. زيد وبين أبى بكر وخارجة بن زيد وبين ابن رواحة الخثعمى وبلال بن رباح .. والتقى في بوتقة العقيدة التى صهرت كل فوارق الجبنس واللون واللغة بلال الحبشى وصهيب الرومى وسلمان الفارسى مع أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وسائر الصحابة رضوان الله عليهم. بل قال رسول الله ':"سلمان منا آل البيت" [1] وقال عمر رضى الله عنه عن أبى بكر وبلال رضى الله عنهما:"أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا".
إنها هى"الأمة"التى قال عنها خالقها سبحانه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [سورة آل عمران 3/ 110] .
إنها الأمة في معناها الحقيقي الذي لم يتحقق في أي تجمع آخر من تجمعات التاريخ.
إنها أمة العقيدة .. ذات الرباط الحقيقى الذى ينشى الأمة في صورتها الحقيقية.
ليست الأمة كما يعرفها علم الاجتماعى الجاهلى مجموعة من البشر تجمعهم أرض مشتركة ولغة مشتركة وجنس مشترك ومصالح مشتركة ومصالح مشتركة. فهذه كلها هى العناصر التى لا اختيار للإنسان فيها والتى يجتمع على مثلها الحيوان كذلك!
فالميلاد في أرض معينة أمر لا يتخيره الإنسان لنفسه ومن الحماقة أن يكون بذاته محلا للتفاضل بين بشر وبشر! واتخاذ لغة البقعة من الأرض التى ولد فيها الإنسان هو أمر كذلك لا يختاره الإنسان لنفسه ومن ثم فلا مجال لأن يكون بذاته موضعا للتفاضل بين بر وبشر! والإنتماء - بالمولد - إلى جنس معين هو أمر كسابقيه لا اختيار للإنسان فيه فضلا عن حماقة التفاضل بالجنس (أو باللون) التى لم تخلف منها جاهلية من جاهليات التاريخ حتىى جاهلية القرن العشرين. وأما"المصالح المشتركة"فهى وشيجة تلتقى البهائم على مثلها حين تلتقى على العشب والكلأ والماء فتكون قطعانا متآلفة بعضها مع بعض متعادية
(1) رواه الحاكم في المستدرك (3/ 598) .