المنصوب من كل منهم حول"الأنا"التى يحسها بين جنبيه. ومن ثم تتنافر تلك الذوات إذ اقتربت أكثر من اللازم ويبدأ بينها الاحتكاك!
نوع واحد من الرباط لا يحدث فيه ذلك التنافر لأنه يذيب ذلك السياج الزائف الذى ينصبه الإنسان حول نفسه ومن ثم تظل القلوب تقترب وتقترب حتى يحدث الالتحام .. ذلك هو رباط العقيدة! ذلك أنه ليس رباطا بين إنسان وإنسان في محيط الأرض وعلى علاقات الأرض ولكنه رباط في الله بين عبد لله وعبد لله خلا قلباهما من ذلك الكبر الظاهر أو الخفى الذى يحجز القلوب عن التقارب والالتحام وامتلأ قلبهما بشئ آخر غير مشاغل الحس القريبة ومشاغل الأرض المنقطعة عن السماء.
ذلك الرباط هو الذى وحد تلك القلوب حول رسول الله - حين حدث اللقاء بينها في الله فتحابت فالتحمت ثم زادها التحاما لقاؤها في حب رسول الله - فتآخت ذلك الإخاء العجيب الذى يتحدث عنه التاريخ!
كان الصحابة رضوان الله عليهم يسير الاثنان منهم في الطريق فتفصل بينهما أثناء المسير شجرة فيعودان فيسلم أحدهما على الآخر شوقا إليه من تلك اللحظة التى فصلت بينهما في الطريق!
وبكى أحد الصحابة حزنا لأنه فكر في فراق رسول الله - في الدار الآخرة وهو لا يطيق فراقه في الدنيا فأنزل الله قوله فيه: {وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا (69) } [سورة النساء 4/ 69] .
ولما هاجر الرسول ' إلى المدينة آخى بين الأوس والخزرج فذاب ما بينهما من نزاع وصراع استمر ذلك المدى من الزمن الذى لا يعلمه إلا الله وصار بينهما ذلك التآلف والإخاء الذى من الله به عليهم: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانا} [سورة آل 3/ 103] .
ثم آخر بين المهاجرين والأنصار تلك المؤاخاة العجيبة الفريدة في التاريخ حيث كان الأنصار يتنازلون عن شطر ما يملكون للمهاجرين عن طيب خاطر وعن غير إلزام ألزمهم به الله ولا رسوله ' ويؤثرونهم أحيانا على أنفسهم حتى أنزل الله فيهم: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (9) } [سورة الحشر 59/ 9] .