فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 436

فلا التجمع القومي المزعوم كانت له أي بوادر منظورة بين القبائل العربية المتناثرة, ولا تكلم به أي متكلم علي الإطلاق, ولا"الثورة الإشتراكية"كانت لها أي بوادر منظورة أوكامنة في الجزيرة العربية ولا في غيرها من بقاع الأرض لعدة قرون تلت, ولا كان"الفقراء"في أي قبيلة تجمعًا مترابطًا متضامنًا ليقوم بالثورة علي الأغنياء فيها, فضلًا عن أن يكونوا تجمعًا عريضًا يشمل فقراء الجزيرة العربية كلهم بوصفهم"طبقة"تثور علي طبقة الأغنياء.

وفضلًا عن ذلك كله فإن التجمع الذي تمثل في تلك"الأمة الفريدة"أمة العقيدة, هو تجمع فريد لا مثيل له في كل التجمعات"القومية"السابقة أو اللاحقة, ولا في التجمعات التي قامت علي أساس المذاهب الاجتماعية في العصر الحديث, فالقول بأن العرب كانوا وشكين من عند أنفسهم علي إقامة هذا التجمع أو ذاك, لا يفسر -حتي إن صح - قيام ذلك التجمع الفريد, الذي لم يتكرر -بهذه الصورة - في كل التاريخ.

كيف تكونّ ذلك التجمع الفريد, الذي أنشأ خير أمة أخرجت للناس؟

لقد بدأ ولا شك بأولئك الأفراد القلائل الذي تجمعوا حول الرسول - في دار الأرقم بن الأرقم في خفية عن عيون الناس. كل قد هجر الجاهلية كلها من حوله وأدار لها ظهره وقطع صلته بقرابة الدم وصداقات القوم وتوجه الوجهة الجديدة التى تدعو إليها لا إله إلا الله محمد رسول الله التى شهد بها قلبه ولسانه وكل جوارحه وأصبحت له - منذ شهد بها - هى الموثل والملاذ وهى مفرق الطريق بينه وبين الجاهلية.

وحين التقوا حول رسول الله - فقد التقوا بكيانهم كله والتحمت قلوبهم بنوع جديد من الرباط لم يألفوه من قبل ولا وجود له في الحقيقة خارج نطاق العقيدة. إنه اللقاء في الله واللقاء في رسول الله.

إن الناس في الجاهلية تلتقى وتقوم بينها صحبة وصداقات. ولكن على أى شئ تلتقى الناس؟

إنها إما قرابة الدم وإما"المصالح المشتركى"وإما لقاء الشهوات.

ومن ثم فإنها - مهما تقاربت وتلاصقت - لا تصل إلى حد الالتحام!

فى كل صلة من هذه الصلات لا تذوب"الأنا"التى تقيم حاجزا بين القلب والقلب وإن تلاقت الأجساد أو تلاقت العقول والأفكار. فكل إنسان يقيم سياجا معينا لنفسه يتسع للحجم الذى يحس فيه"بالأنا"المشتملة عليها ذاته ومن ثم تلتقى الذوات المختلفة وتتقارب ولكن في حدود ذلك السياج

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت