هل نعجب من مئات ومئات من الخوارق في كل اتجاه, تجتمع كلها وتحتشد في تلك الفترة المحدودة من الزمن, حتي ليمر بها المؤرخ وكاتب السيرة مرورًا عابرًا كأنما يتحدث عن شئ عادي, ذلك أنه ينظر يمنة ويسرة فيري القمم الشاهقة من حوله فلا يعود يصف قمة بأنها قمة!! لأن هذا لا يميزها عن غيرها من القمم!!
هل خرج هؤلاء البشر عن بشريتهم؟
هل أصبحوا ملائكة؟
هل خرجوا من عموم قوله:"كل بني آدم خطاء" [1]
كلا: ما كانوا كذلك!
كانوا بشرًا تعتمل في نفوسهم دوافع البشر, ويتحركون في الأرض بدوافع البشر ... ولكنها دوافع البشر في أصفي حالاتها وأعلاها, دوافع البشر حين يتخففون إلي أقصي حد من ثقلة الأرض, فيصعدون أقصي ما يتاح للبشر من الصعود, ولكنهم مع ذلك كله بشر فيهم من سرق وأقيم عليه الحد, وفيهم من زني وأقيم عليه الحد, وفيهم من شرب الخمر وأقيم عليه الحد, وفيهم من تولي يوم التقي الجمعان فغفر الله له, وفيهم من تباطأ وتثاقل, وفيهم من تخلف ...
فيهم من نزل فيه قوله تعالي: {مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ} [سورة آل 3/ 152]
وقوله تعالي: {مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ} [سورة التوبة 9/ 38]
وقوله تعالي: {هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ} [سورة محمد 47/ 38]
وقوله تعالي: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) } [سورة التوبة 9/ 117 - 118]
ولكنهم كانوا كما وصفهم الله: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ
(1) أخرجه أحمر وأبو داود وابن ماجة والدارمي.