فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 436

هل نعجب إذن - حين نعرف الطريقة التي كانوا يتلقون بها توجيهات القرآن وتوجيهات الرسول - - إذا رأيتا تلك النماذج الفذة التي تحدثنا عنها كتب السيرة, بتلك الوفرة التي وعاها التاريخ؟

هل نعجب من الذين باتوا علي الطوي ليقدموا اللقمة الضئيلة التي يملكونها إلي ضيفهم, وأصفأوا السراج حتي لا يري الضيف أنهم لا يملكون إلا ما قدموه له ... فأنزل الله فيهم {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [سورة الحشر 59/ 9]

هل نعجب من الذي خرج من بيته وبيده تمرات فلما رأي القتال قال: لئن عشت حتي أنتهي من هذه إنه لأمر يطول! فألقي التمرات واقتحم المعركة شوقًا إلي الجنة فاستشهد؟!

هل نعجب ممن كان في ليلة عرسه فسمع الهيعة فقام يطلب الجنة فلما استشهد غسلته الملائكة؟!

هل نعجب ممن يقدم له رسول الله - قسمه من الفئ فيرده يقول ما علي هذا بايعتك! لأنه يبحث عن متاع من نوع آخر, ويصدق الله فيصدقه ... فيدخله الجنة شهيدًا في سبيل الله؟!

هل تعجب من عمر يبكي حين رأي العجوز تلهي أبناءها ليناموا فيذهب بنفسه فيحمل الدقيق علي ظهره ويعود يصنع للأطفال الطعام بيده ولا ينصرف حتي يعلم أنهم قد شبعوا وناموا؟!

هل نعجب من ماعز تؤرقه نفسه, يلح علي رسول الله - حتي يقيم عليه الحد, لا يطيق أن يلقي الله بلا كفارة؟ ومن الغامدية تلح في إقامة الحد عليها, وتظل علي عزيمتها لا تفارقها حتي تفطم ولدها ... تريد أن تلقي الله خالية من الذنوب؟!

هل نعجب من ربعي بن عامر يدخل علي رستم كما دخل, مستعليًا عيل كل ماتملكه الجاهلية من السلطان والجاه, معتزًا بلا إله إلا الله, يصدع بكلمة الحق في وجه الجاهلية العاتية, لا يرهبها ولا يحس لها وزنًا في حسه, لأنه يزنها بميزان الله فإذا هي خاوية, تستحق أن يدوسها بأقدام حماره, ويمزقها بطرف رمحه, ويملي علي صاحبها أمر الله!

هل نعجب من عمرو بن العاص يطلب المدد من الخليفة لأن الروم يشدون علي جيشه, فلا يرسل له عمر رضي الله عنه عشرة آلاف يمده بهم ولا خمسة آلاف, ولا ألفًا ولا خمسمائة, إنما يرسل إليه أربعة من أصحاب رسول الله - الكرام العظام كأنهم مدد يبلغ الألوف؟!

هل نعجب من انتشار الإسلام في تلك الرقعة الفسيحة من الأرض في تلك البرهة القصيرة من الزمن, فيبلغ من المحيط غربًا إلي الهند شرقًا في نصف قرن من الزمان علي أيدي أولئك الأفذاذ من الرجال؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت