وإذا كان أمر الإخلاص كذلك, في شموله لهذه الأمور الثلاثة, فإن جدية الأخذ من الكتاب والسنة تصبح بديهية من بديهيات الأمة المسلمة لا يقوم بغيرها لهذه الأمة وجود. فما دام الالتزام بما أنزل الله ركنا من أركان العقيدة, لا تقوم في الحقيقة بدونه (بصرف النظر عن المعصية التي لا تتحول إلي تشريع بالنسبة لصحابها ولا بالنسبة لغيره من الناس) [1] . فقد أصبحت جدية الأخذ من الكتاب والسنة هي المقتضي المباشر للإسلام. ففي كل لحظة من حياة الناس"تشجر"أشياء تحتاج إلي"حكم"يتخذ فيها. فمن أين يستمد الحكم؟.
إنه ليس هناك إلا مصدر اثنان: إما حكم الله وإما حكم الجاهلية:
{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ؟ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ؟!} [سورة المائدة 5/ 50] .
فإن لم يتخذ الناس أحكامهم من عند الله -أي من القرآن والسنة, ومن اجتهاد الفقهاء الملتزم بالكتاب والسنة لا يشذ عنهما ولا يخرج علي أحكامهما- فإنهم عندئذ يتخذون أحكامهم من الجاهلية, ويخرجون بذلك من الإسلام.
فجدية الأخذ من الكتاب والسنة وهي لالزم من لوازم الوجود الإسلامي, وسمة من سمات الأمة الإسلامية لا تنفك عنها؛ وليس وجودها هو الذي يبهرنا من ذلك الجيل الأول. إنما الذي يبهرنا منه هو الدرجة العالية من الالتزام في التنفيذ, التي تجعل المعصية شيئًا نادرًا في حياة الناس, مما نتحدث عن نماذج منه بعد قليل.
كذلك أمر الجهاد في سبيل الله إنه سمة أصلية من سمات هذه الأمة.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [سورة الصف 61/ 10 - 11] .
فما دامت الأمة قد حملت راية لا إله إلا الله, وحملت معها مسئولياتها, فقد أصبح الجهاد من لوازم وجودها, ذلك أن البشر لا يستقيمون كلهم علي منهج الله, ولا يرضون كلهم أن يكون الدين لله, ولا يدعون المسلمين وشأنهم يقيمون دينهم بمأمن من العدوان:
{وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [سورة التوبة 9/ 36] .
{وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا} [سورة البقرة 2/ 217] .
(1) انظر فصل «مفهوم لا إله إلا الله من كتاب «مفاهيم ينبغي أن تصحح .