{اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} [سورة الأعراف 7/ 3] .
و"الدين"في آية الشورى, واتباع ما أنزل الله في آية الأعراف, كلاهما لا يتعلق بالاعتقاد وحده ولا بالشعائر التعبدية وحدها, إنما يشمل قضية التحليل والتحريم, ويعتبر اتخاذ أيِّ من هذه الأمور الثلاثة: الاعتقاد والشعائر والشرائع, من مصدر غير الله شركًا واتباعًا للأولياء, بدليل قوله تعالي في سورة النحل حكاية عن المشركين, وتحديدًا لأعمال الشرك التي يقومون بها:
{وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} [سورة النحل 16/ 35] .
وبدليل قوله تعالي عن المنافقين في سورة النساء موضحًا المحك الذذي يصدقّ دعوي الإيمان أو يكذبها.
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا} إلي قوله تعالي: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [سورة النساء 4/ 60 - 65] .
من هذه الآيات -وأمثالها في القرآن كثير- يتضح لنا أن العبادة المطلوبة من العباد هي إفراد الله بالألوهية والربوبية, الذي يشمل توحيد الله في ذاته وأسمائه وصفاته, والتوجه إليه وحده بالشعائر التعبدية, والالتزام بما أنزل الله, وعدم اتخاذ شرع من مصدر سواه, سواء علي سبيل المضاهاة لشرع الله كما كان يفعل التتار قبل إسلامهم من اتخاذ $الياسق" الذي يجمع أحكامًا من القرآن وأحكامًا من مصادر أخري, أو علي سبيل التشريع المطلق, أي تنحية شرع الله جملة واتخاذ شرع غيره.
هذه العبادة -علي هذه الصورة-- هي التي تخرج الناس من الشرك وتجعلهم مسلمين. وهذا هو الإخلاص في حده الأدنى, الذي لا يقبل الله من الناس أقل منه, ولا تقوم بغيره حقيقة الإسلام في داخل النفوس ولا في واقع الحياة (أما الدرجات العليا فمرهونة بمقدار الطاعات التي يتقدم بها العباد إلي الله, ومقدار الحرص علي الالتزام بما أقر به القلب واللسان) .
أما الاعتقاد بأن هناك شركاء لله في الخلق أو التدبير أو الرزق أو الإحياء أو الأمانة أو النفع أو الضر .... إلخ, أو التوجّّه لغير الله بالشعائر التعبدية, أو التشريع بغير ما أنزل الله, أو الرضي بغير ما أنزل الله, فهو الشرك الذي يخرج الناس من الإسلام.