والخلاصة الذي يأمر الله به ليس مجرد مشاعر تستكّن في ضمير الإنسان, وليس مجرد إقرار يعلن فيه الإنسان أن الله واحد لا شريك له, عن اعتقاد قلبي بصدق ما يقرّ به من وحدانية الله. فهذا -وحده- لا يفي بما يطلبه الله من عباده بلفظ الأمر, لا علي سبيل الندب أو التحبيب أو التحضيض: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} إنما المتتبع لكل الآيات التي جاء فيها الأمر بالإخلاص يجد أنها متعلقة بتوجيه العبادة لله وحده دون شريك. فهي إذن ليست متعلقة بالاعتقاد وحده, إنما هي متعلقة كذلك بسلوك معين مرتبط بالاعتقاد. فالعبادة -كما هو واضح بالبداهة- سلوك واقعي, وليست مجرد مشاعر أو اعتقادات. سلوك مبني علي المشاعر, ومنبثق عن الاعتقاد.
والإخّلاص المطلوب في العبادة هو براءة هذه العبادة من الشرك, وتلك هي حقيقة التوحيد. وهو أمر لازم لا للارتقاء في مراتب الكمالات, بل لحصول الإيمان بادئ ذي بدء؛ أما الارتقاء في مراتب الكمالات بعد ذلك فله مجالات أخري نتحدث عن بعضها في حياة ذلك الجيل الأول, وهي التي ورد فيها الندب والتحبيب, لا الأمر والإلزام.
فما العبادة المطلوبة من العباد, وما كيفية البراءة من الشرك؟
العبادة كما بينها الله في كتابه المنزل تشمل أمورًا ثلاثة:
-الاعتقاد الجازم بأن الله واحد في ذاته وفي أسمائه وصفاته.
-والتوجّه إليه وحده بالشعائر التعبدية التي افترضها علي عبادة.
-والالتزام بما أنزل الله من التحليل والتحريم والتحسين والتقبيح والإباحة والمنع.
وأيما أمر اختل من هذه الثلاثة فهو ناقض للتوحيد ومُدْخِل في الشرك الذي يخرج الناس من الإسلام, مع اعتبار معين في هذا الشأن هو أن المعصية -بغير استحلال- لا تنقض أصل الالتزام, ولا تخرج الناس من الإسلام, ما داموا يقرون بالأمر المنزل من عند الله, ولا يجعلون مخالفتهم له تشريعًا مضاهيًا لشرع الله, أو قائمًا بذاته مناقضًا لشرع الله. بعبارة أخري ليست المعصية لما أنزل الله هي التي تخرج من الملة, إنما هو التشريع بغير ما أنزل الله, وهو المعنيّ في قوله تعالي: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ} [سورة المائدة 5/ 44] , {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ} [سورة المائدة 5/ 45] , {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ} [سورة المائدة 5/ 47] . وكون ذلك هو الشرك المخرج من الملة واضح في قوله تعالي:
{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ} [سورة الشورى 42/ 21] .