فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 436

لقد كان المسلمون في نشأتهم الأولي في طور من البداوة لا يملكون شيئًا مما يملكه المتحضرون من حولهم من أسباب الحضارة المادية أو من العلوم. وكان لزامًا عليهم إذا أرادوا الحضارة المادية والعلم أن يأخذوا أسبابهما من الدولتين"العريقتين"عن يمين وشمال فارس والروم.

وقد صنعوا ذلك بالفعل ... ولكنهم لم يحنوا رءوسهم أبدًا, ولم يشعروا بالانبهار. كانوا هم الأعلين, لأنهم كانوا هم المؤمنين‍.

كانوا في حاجة شديدة لتعلم علوم الكفار والوثنيين من حلوهم, ولكن هذه الحاجة الشديدة لم تشعرهم بالصغار تجاههم, ولا بأنهم دونهم, بل كانوا يعرفون -ويشعرون- أن العزة لهم, لأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين, وليس للكفار والوثنيين شيء من العزة ولو ملكوا كل علوم الأرض, وكل خزائن الأرض!.

وحين أخذوا ممن حولهم فقد كان سلوكهم المستعلي بالإيمان واضحًا في طريقة الأخذ, وكان أوضح ما يكون في خصلتين رئيسيتين:

الأولي: أن أرواحهم لم تهزم قط أمام أعدائهم تحت ضغط الحاجة إلي الأخذ منهم.

والثانية: أنهم لم ينقلوا كل شيء وجدوه عند أعدائهم, بل كانوا ينقلون علي بصيرة, فينقلون فقط ما يظنون أنهم في حاجة إليه, مما لا يتعارض مع عقيدتهم وإسلامهم, ويعرضون عن كل ما يرونه غير نافع لهم, أو يرونهم مخالفًا لعقيدتهم وتصوراتهم, وأوضح مثال علي ذلك أنهم نقلوا علوم الإغريق, ولم ينقلوا ما كان مشهورًا عندهم من الأساطير, لأنهم رأوا فيها أمور الجاهلية الوثنية الغارق في الضلال, لا يستحق أن يلتفت إليه, بل يستحق الزراية والإهمال.

أما في حركة النقل الأخير فقد كان الأمر جد مختلف!!.

وليس الاختلاف ناشئًا من حجم الفارق الحضاري بين الآخذين والمعطين, كما يبدو للنظرة السطحية للوهلة الأولي, إنما هو ناشئ بصفة أساسية من اختلاف"الموقف"ما بين حركة الأخذ الأولي وحركة الأخذ الثانية.

في الأولي كان المسلمون هم الأعلين وإن كانوا آخذي, لأن الاستعلاء بالإيمان هو الذي يكيف حياتهم ويحد موقفهم.

وفي الثانية كانت العقيدة قد تخلفت وتوارث تحت الركام, فلا عزة ولا استعلاء, إنما هي الهزيمة والانبهار. والنقل -بلا بصيرة- لكل ما هو موجود في الغرب, بغير تمييز بين ما ينفع وما يضر, ولا بين ما يتفق مع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت