وأما عمارة الأرض فقد أهملت حين أهملت الدنيا من أجل الآخرة, فخيم علي الناس الفقر والجهل والمرض والتخلف الحضاري والمادي والعلمي والعقلي .... وزاد علي ذلك كله أنه -في حسهم- قدر مقدور من عند الله, لا حيلة لهم فيه إلا الرضاء والتسليم [1] .
وفضلًا عن ذلك كله فقد خلت حياة الناس من الروح, وأصبحت الحياة كلها تقاليد موروثة يحافظ عليها من أجل أنها تقاليد, لا من أجل أنها جزء من منهج حي يحكم الحياة. فالعبادة تقاليد, والسلوك تقاليد, وحجاب المرأة تقاليد, وقضية العرض تقاليد ... أكثر مما هي عبادة واعية لله, أو منهج مترابط يحكم الحياة.
وحين جاءت الحروب الصليبية الجديدة والمسلمون علي هذا الوضع, كان الاحتمال الأكبر أن ينهاروا, ويسلموا أنفسهم للضياع.
يحفظ التاريخ للمسلمين كثيرًا من أدوار البطولة في جهاد الصليبين الذين أغاروا علي بلاد الإسلام ما بين القرن السابع عشر الميلادي إلي القرن التاسع عشر, سواء في الشمال الأفريقي, أو وسط أفريقيا, أو في وادي النيل (مصر والسودان) أو في الهند, والملايو, وأندونيسيا, والفلبين, أو في وسط آسيا الذي اغتاله روسيا القيصرية الصليبية.
ولكنها كانت بطولات المنهزم المتقهقر, بضرب آخر ضرباته قبل الاستسلام.
كانت العقيدة قد تواترت وراء الركام, فكان حقًا علي الناس أن ينتهوا إلي الهزيمة والاستسلام.
ويقال كلام كثير عن الحضارة الأوربية الفارهة التي التقي بها المسلمون في نخلفهم الحضاري الذي كانوا عليه, فأدي بهم ذلك اللقاء إلي الهزيمة الروحية, والانبهار بما عند الغرب من أفكار ونظم وانفلات من الدين والأخلاق والتقاليد ....
وما يقال عن الفاروق الحضاري صحيح في ذاته ... أما الظن بأنه هو السبب في الهزيمة الروحية, والانهيار الذي أصاب المسلمين تجاه الغرب, ففضلًا عن كونه مجانبًا للحقيقة, فهو مضلل لنا أشد التضليل, لأنه يغطي علي الأسباب الحقيقية للهزيمة, كما يغطي كذلك علي الوسائل الحقيقية للعلاج.
(1) تحدثت عن هذه المفاهيم في كتاب مستقل بعنوان: «مفاهيم ينبغي ان تصحح .