فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 436

سلوكه. كان التتار -في حسهم- همجًا لا دين لهم ولا حضارة, وكان الصليبيون هم المشركين عباد الصليب, وكانوا فوق ذلك منحلي الأخلاق, لا غيرة علي عرض ولا حفاظ.

أما في الحروب الصليبية الأخيرة, فقد كان الموقف فقد تغير كثيرًا عن ذي قبل.

كان المسلمون قد انحرفوا انحرافًا شديدًا عن حقيقة الإسلام, لا في السلوك وحده ولكن في التصور كذلك.

مفهوم لا إله إلا الله -أساس الإسلام كله وأكبر أركانه- كان قد تحول إلي كلمة تقال باللسان, لا علاقة لا بالواقع, ولا مقتضى لها في حياة المسلمين أكثر من أن ينطقوا بها بضع مرات في كل نهارّّ فضلًا عما أحاط بالعقيدة من خرافات, وعبادة للأضرحة والأولياء والمشايخ, بدلا من العبادة الصافية الخالصة لله دون وسيط.

مفهوم العبادة -الشامل الواسع- كان قد انحصر في شعائر التعبد, من أداها فقد أدي كل ما عليه من العبادة, ولم يعد مطالبًا بشيء من التكاليف أمام الله! فضلًا عما أصاب الشعائر التعبدية ذاتها من عزلة كاملة عن واقع الحياة, كأنها شيء ليس له مقتضى في الحياة الدنيا ولا تأثير!.

مفهوم القضاء والقدر -الذي كان في صورته الصحيحة قوة دافعة رافعة- قصار في صورته السلبية قوة مخذلة مثبطة عن العمل والنشاط والحركة والأخذ بالأسباب! فضلًا عما صاحب ذلك من استخدام القوي الخففية من السحر والجن .... إلخ, جريًا وراء سنة الله الخارقة بدلًا من التعامل مع السنة الجارية التي أمر المسلمون بالتعامل معها, واتخاذ الأسباب المؤدية إلي جريانها في لصالحهم إذا توكلوا علي الله حقق التوكل, كقوله تعالي: {إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) } [سورة محمد 47/ 7] , وقول الرسول:"تداووا عباد الله فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء" [1] .... إلخ ... إلخ ...

مفهوم الدنيا والآخرة -الذي يربط الدنيا بالآخرة, ويجعل الدنيا مزرعة الآخرة- تحول إلي فصل كامل بين الدنيا والآخرة, يجعلهما موضع التقابل الكامل وموضع التضاد, فمن أراد الدنيا ترك الآخرة, ومن أراد الآخرة ترك الدنيا, واكتفي فيها بالكفاف.

(1) أخرجه البخاري في الأدب المفرد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت