فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 436

ولم تعد الأندلس إلي الإسلام ... ولكن طاقة الأمة الإسلامية في مجموعها لم تكن قد استنفدت ... ففي ذات الوقت الذي انحسر فيه ظل الإسلام عن الأندلس كانت هناك دولة فتية في سبيلها إلي التمكن في الأرض, واستطاعت أن تحفظ كيان المسلمين أربعة قرون كاملة. وامتدت في داخل العالم الصليبي حتى فيينا, وبطر سبرج, ودخل في الإسلام علي يديها ملايين من البشر في أوروبا, وآسيا.

ولكن الأزمة التي يعانيها المسلمون اليوم هي أقسى من سابقاتها وأمرّ.

وما يخالجني شك في أنها هي الأخرى ستمر, ويمكن الله لدينه مرة أخري في الأرض.

ولكن علينا أن نعرف الطبيعة الخاصة لهذه الأزمة, لنعلم لم طالت عن كل سابقتها؟ ولنعلم من جهة أخرى كيف يكون المخرج منها حيين يأذن الله, فنتخذ الأسباب المؤدية بإذن الله إلي النجاة.

حين وقعت الحروب الصليبية الأولي التي استغرقت حوالي مائتي عام (1096 - 1291م) والتي وقعت في أثنائها وبعدها كذلك غارات التتار, كان المسلمون قد شغلوا عن الإسلام الصحيح ببدع وخرافات ومعاص, وتواكل وتقاعس وقعود عن الأخذ بالأسباب, ولكن الإسلام ذاته لم يكن في نفوسهم موضع نقاش, لا بوصفه عقيدة ولا بوصفه نظام الحكم ونظام الحياة. وحتى حين هُزموا أمام الصليبيين, و أمام التتار فلم يكن صدي الهزيمة في نفوسهم هو الشك في الإسلام ذاته عقيدةً أو نظام حياة, ولم يكن هو التطلع إلي ما عند أعدائهم من عقائد أو أفكار أو مشاعر أو نظم أو أنماط سلوك, أو الظن -للحظة واحدة- أن أعداءهم يملكون شيئًا من (الحق) تقوم لحياتهم عليه, أو أن هناك شيئًا -غير الإسلام- يمكن أن يكون هو الحق في العقيدة وفي نظام الحياة سواء. ولم تكن قضية الحكم بما أنزل الله موضع شك منهم ولا موضع نقاش, لأنها كانت جزءًا لا يتجزأ من إسلامهم, بل كانت في حسهم -كما في الحقيقة- المقتضي المباشر لكونهم مسلمين.

لذلك لم يهنوا -حتى وهم مهزومون أمام أعدائهم فترة غير قصيرة- ولم يشعروا أنهم أدني من أعدائهم, بل يتمثل فيهم قوله تعالي: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [سورة آل عمران 3/ 139] .

وكانوا مؤمنين!.

بل كانوا يشعرون -حتى وهم مهزومون- بازدراء شديد لأعدائهم, لأن عقيدتهم وتصوراتهم لا تتفق مع العقيدة الصحيحة والتصور الحق, ولأن أخلاقهم وأنماط سلوكهم لا تتفق مع أخلاق الإسلام وأنماط

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت