فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 436

ولقد كانت فتنة مقتل عثمان - رضي الله عنه - , وما تلاها من الحروب بين علي, ومعاوية, أزمة حادة ابتلي بها المسلمون والدولة ما تزال لفي نشأتها, وعداوات الأرض قائمة من حولها. ولكن الناظر إلي مجريات الأمور يومئذ لم يكن ليشك في نهاية الأزمة. فقد كان الخلاف -علي كل عمقه, وكل ما أثاره من فرقة في صفوف المسلمين- خلاف علي من يتولي الأمر ليمكن للإسلام في الأرض, وليس خلافًا علي الإسلام ذاته, هل يكون هو قاعدة الحياة للمسلمين أم يكون شيء آخر خلافه! ولم تكن هناك في الوقت ذاته قوة خارجية تملك شيئًا من الحق, أو هي أكثر إيمانًا بمنهجها الذي تعيش به, من إيمان المؤمنين بالحق الذي اعتنقوه وأقاموا حياتهم علي أساسه. وتلك حسب السنن الربانية هي المقومات الأساسية التي يتقرر بها النصر من عند الله أو الهزيمة, قبل العدد والعدة وخطط الحرب, وإن كانت هذه كلها عواملها لها حسابها في الميزان الأخير, لأنها من (الأسباب) التي أمر الله باتخاذها, وجعلها جزءًا من سنته الجارية. ولكن الأسباب المادية وحدها ليست هي التي تحسم الأمر, ولا هي التي تقرر المصير.

كذلك كانت أزمة الحروب الصليبية وحروب التتار أزمة حادة في حياة المسلمين. وبدا -لفترة من الوقت- أنها يمكن أن تطيح بالكيان الإسلامي كله وتجتث المسلمين من الأرض. ولكن النتيجة الواقعية كانت غير ذلك, وجاء النصر من عند الله في النهاية. وكانت الهزيمة في البدء, والنصر في النهاية كلاهما مطابقًا للسنة الربانية التي لا يحيد عنها شيء في الوجود كله. فقد كان واقع المسلمين سيئًا, مليئًا بالمعاصي والبدع والانحرافات والشتات والفرقة, والانشغال بذلك كله عن نصرة دين الله والتمكين له في الأرض. ولذلك اجتاحت جيوش الأعداء أرض المسلمين, وأزالت سلطانهم إلي حين. ولكن جذوة العقيدة كانت ما تزال حية في النفوس, وإن غشيتها غاشية من التواكل والسلبية أو الانشغال بشهوات الأرض. فما إن جاء القادة الذين يردون الناس إلي الجادة بدعوتهم للرجوع إلي حقيقة الإسلام, حتى صحت الجذوة واشتعلت .... فجاء علي أثرها النصر. فحين قام صلاح الدين يقول للناس: لقد هُزمتم لبعدكم عن طريق الله, ولن تُنصروا حتى تعودوا إلي الطريق ... وحين قام ابن تيمية يدعو لتصحيح العقيدة مما طرأ عليها من غبش المتكلمين وضلالاتهم ... وحين صاح قطز صيحته الشهيرة: واإسلاماه! ... وتبعتهم جماهير الأمة المسلمة فصدقت الله في عقيدتها وسلوكها, وجاء النصر, وتغلب المسلمون علي أضعافهم من المشركين والكفار.

وجاءت نكبة الأندلس عقابا ربانيًا للمسلمين علي تفرقهم وتشتتهم وحرب بعضهم لبعض, وتعاونهم مع أعدائهم من الصليبين ضد بعضهم البعض, واتخاذ أولئك الأعداء بطانة من دون المؤمنين -مخالفة لأمر الله -وهم لا يألونهم خبالا ... بالإضافة إلي الفتنة بشهوات الأرض, المباح منها وغير المباح ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت