"والرسول الكريم يرى هذه النفس المؤمنة المتحرجة ، فيمسح عنها الحرج في سماحة وكرامة:"بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا".. ومن قبل هذا يكف عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رأيه:"فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه"؟"
"ثم تصرف الرسول صلى الله عليه وسلم في الحادث تصرف القائد الحكيم .. وأمره بالسير في غير أوان ، ومتابعة السير حتى الإِعياء ، ليصرف الناس عن العصبية المنتنة التي أثارها صياح الرجلين المتقاتلين: يا للأنصار ! يا للمهاجرين ! وليصرفهم كذلك عن الفتنة التي أطلقها المنافق عبد الله بن أبي بن سلول ، وأرادها أن تحرق ما بين الأنصار والمهاجرين من مودة وإخاء فريدين في تاريخ العقائد وفي تاريخ الإنسان .."
"وأخيرًا نقف أمام المشهد الرائع الأخير: مشهد الرجل المؤمن عبد الله بن عبد الله بن أبيّ ، وهو يأخذ بسيفه مدخل المدينة على أبيه فلا يدعه يدخل ، تصديقًا لمقاله هو:"ليخرجن الأعز منها الأذل"ليعلم أن رسول الله هو الأعز ، وأنه هو الأذل . ويظل يقفه حتى يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأذن له . فيدخلها بإذنه . ويتقرر بالتجربة الواقعة من هو الأعز ومن هو الأذل . في نفس الواقعة . وفي ذات الأوان ."
"ألا إنها لقمة سامقة تلك التي رفع الإيمان إليها أولئك الرجال . رفعهم إلى هذه القمة وهم بعد بشر بهم ضعف البشر ، وخوالج البشر . وهذا هو أجمل وأصدق ما في هذه العقيدة ، حين يدركها الناس على حقيقتها ، وحين يصبحون هم حقيقتها التي تدب على الأرض في صورة أناسي تأكل الطعام وتمشي في الأسواق" (1)
(1) في ظلال القرآن جـ 28 ص 109 - ص 114.