الصفحة 56 من 154

"وهذا عبد الله ( ابن عبد الله بن أبيّ ) رضي الله عنه وأرضاه نموذج رفيع للمسلم المتجرد الطائع: يشقى بأبيه ويضيق بأفاعيله ويخجل من مواقفه ، ولكنه يكن له ما يكنه الولد البار العطوف . ويسمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يقتل أباه هذا . فيختلج قلبه بعواطف ومشاعر متباينة ، يواجهها هو في صراحة وفي قوة وفي نصاعة . إنه يحب الإِسلام ويحب طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحب أن ينفذ أمره ولو في أبيه . ولكنه لا يطيق أن يتقدم أحد فيضرب عنق أبيه ويظل يمشي على الأرض بعده أمام ناظريه . وهو يخشى أن تخونه نفسه ، وألا يقدر على مغالبة شيطان العصبية ، وهتاف الثأر . وهنا يلجأ إلى نبيه وقائده ليعينه على خلجات قلبه ، ويرفع عنه هذا العنت الذي يلاقيه . فيطلب منه إن كان لا بد فاعلا أن يأمره هو بقتل أبيه . وهو لا بد مطيع . وهو يأتيه برأسه . كي لا يتولى ذلك غيره ، فلا يطيق أن يرى قاتل أبيه يمشي على الأرض ، فيقتله ، فيقتل مؤمنًا بكافر .. فيدخل النار .."

"وإنها لروعة تواجه القلب أينما اتجه وأينما قلّب في هذا الموقف الكريم . روعة الإيمان في قلب إنسان وهو يعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكل إليه أشق عمل على النفس البشرية - أن يقتل أباه - وهو صادق النية فيما يعرض . يتقي به ما هو أكبر في نظره وأشق .. وهو أن تضطره نوازعه البشرية إلى قتل مؤمن بكافر ، فيدخل النار .. وروعة الصدق والصراحة وهو يواجه ضعفه البشري تجاه أبيه وهو يقول:"فو الله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبرّ بوالده مني . وهو يطلب من نبيه وقائده أن يعينه على هذا الضعف ويخرجه من هذا الحرج ، لا بأن يرد أمره أو يغيره - فالأمر مطاع والإِشارة نافذة - ولكن بأن يكل إليه هو أن يأتيه برأسه !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت