"لم يحدد صورة معينة من هذه الصور ، وترك الأجيال المتعاقبة تفكر لنفسها في الصورة التي تناسبها ، وتتلاءم مع إمكانياتها . ولم يضع - في سياسة المال أو سياسة الحكم - تفصيلات ثابتة جامدة ، لكي لا تصطدم بالنمو المطرد في أحوال الجماعة ، والتطور المستمر فيها . ولكنه مع ذلك لم يدع هذه الأمور تفلت من الأصول الثابتة . ولم يدعها للناس يتصرفون فيها بلا دليل ، بحجة أنهم أعلم بأمور"دنياهم"! فقد كان هذا التصرف الحر - في أوربا ، وفي خارج الإِطار الإِسلامي عامة - شناعة بشعة يندى لها جبين الإنسانية"المتطورة"! كان الإقطاع في أوربا ثم كانت الرأسمالية بكل ما فيهما من مظالم غنية عن الوصف ."
وكلاهما حرام في نظر الإِسلام ، فهما يجعلان المال - سواء في صورة أرض أو رأسمال - دُولة بين الأغنياء وحدهم ، ويحرم منه بقية الشعب . ثم كان الخلاص منهما هو الشيوعية - أي العبودية المطلقة للدولة ، والدكتاتورية المطلقة على الأفراد !
"والإِسلام - كلمة الله لجميع البشر على الأرض ولجميع الأجيال - لم يكن ليترك الناس لمثل هذا"التطور"الذي يرسفون فيه في الأغلال ، وإنما يأخذ بيدهم دائمًا ويرشدهم ، حتى وهو يترك لهم حرية النمو وحرية التكيّف مع ما يجدّ من الأوضاع ، ليكلا يشردوا عن الطريق ، ولكي يحتفظوا بتحررهم الوجداني الدائم في جميع الأوضاع وجميع الأحوال" (1) .
وقد أدرك المسلمون الأوائل ذلك كله ، وإن لم يفلسفوه كما نصنع نحن ، فكان فقههم كله في الأمور الثابتة هو شرح النصوص وبيان حالات انطباقها مع المحافظة الكاملة عليها ، كما كان فقههم في الأمور المتغيرة - مع المحافظة الدائمة على أصولها - هو قولة عمر بن عبد العزيز:"يجدّ للناس من الأقضية ( من الأحكام ) بقدر ما يجد لهم من القضايا".
(1) من فصل"أنتم أعلم بأمور دنياكم"في كتاب"قبسات من الرسول".