هذا التفتيت كان عملية مقصودة ولا شك ، ليتم الغزو ، الديني والحربي ، بصورة أسرع وأيسر مما لو كان العالم الإِسلامي وحدة - مهما يبلغ من ضعفها فهي صعبة التفتيت ، وتجزئتها تزيدها ضعفا على أي حال .
ثم إن هذا يؤيد يؤكد ما سبق أن ذكرناه ، وكررناه ، من أن المدنية الأوربية بذاتها - أو"التطور"كما يلذ"للمثقفين"أن يسموه - لم يكن مستطيعًا وحده أن يفسد من العالم الإِسلامي ما أفسد ، لولا هذا الدك المستمر في قلاعه على أيدي الاستعمار الصليبي ، بنزع العقيدة الإِسلامية من النفوس بكل وسيلة يملكها المبشرون والمستعمرون .
وقد كانت هذه المقدمة في الحقيقة كافية لتوضيح ما نقصد إليه من هذه المقتطفات . كافية لبيان الكيد الذي دبر للإِسلام للقضاء عليه منذ قرن مضى ، ولبيان أن هذا الكيد ذاته هو الذي ما يزال يجري عليه العالم الصليبي في علاقاته مع العالم الإِسلامي ، مع فارق واحد ، أنه لم يعد - دائمًا - يعلن عن أهدافه - فيما عدا صراحات رجل كالمسيو بيدو في فرنسا - وإنما صار أميل إلى إخفائها والتستر عليها ، بل نفيها أحيانًا بكل وسيلة ممكنة .. وذلك لسببين:
الأول: أن هذا الكيد قد فعل فعله في حقيقة الواقع ، وما تزال دفعته سارية ، فيحسن التستر عليها حتى تؤدي عملها في هدوء ، ويحسن عدم التشويش عليها بما يوقظ الناس إلى حقيقة أهدافها .