ويقول في ص 51:"ومن الأمثلة التي قدمناها آنفًا عن ذلك التسامح الذي بسطه المسلمون الظافرون على العرب المسيحيين في القرن الأول من الهجرة ، واستمر في الأجيال المتعاقبة ، نستطيع أن نستخلص بحق أن هذه القبائل المسيحية التي اعتنقت الإِسلام ، إنما فعلت ذلك عن اختيار وإرادة حرة . وإن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات مسلمة لشاهد على هذا التسامح".
ثم إن نشر اللغة العربية في البلاد المفتوحة ، الذي كان مقصودا به ولا شك فتح الباب السلمي لاطّلاع الناس على العقيدة الجديدة ، حتى يعتنقوها - إذا أعجبتهم - دون إكراه ، (1) لم يكن مقصودا به ، ولا هو أدى قط إلى الاضمحلال والانتقاض ، ولا إلى انحلال الروح الدينية من أساسها بحيث لا تنشأ بشكل آخر ، مما يصرح شاتلييه أنه هدف الاستعمار الصليبي ، وإنما كان مقصودا به ، وأدى بالفعل إلى إنشاء الروح الدينية الصحيحة بصورة قوية بناءة في واقع الحياة .
(1) يخلط كثير من الكتاب الغربيين من أعداء الإسلام - ويلتبس الأمر كذلك على المسلمين - بين الفتح الإسلامي المسلح ، وبين نشر العقيدة بالسيف . فالأمر الأول قد حدث بالفعل ، والثاني لم يحدث قط ، باعتراف ذلك الكاتب المسيحي الذي استشهدنا به . ومفرق الطريق بين الاثنين أن المسلمين فتحوا البلاد بالغزو المسلح ليزيلوا فقط القوة المادية التي تمنع الناس من التعرف السلمي المحايد على الإسلام ، ومن اعتناقه إذا أرادوا ، ممثلة في الدولة ونظمها وجيوشها ؛ ثم تركت الناس بعد ذلك أحرارًا حرية كاملة في أن يعتنقوا العقيدة التي يريدونها بلا ضغط ولا إكراه ، فيظلوا يهودا أو مسيحيين إذا شاءوا - كما حدث بالفعل - بحماية المسلمين ورعايتهم ، أو يدخلوا - إذا شاءوا - في الدين الجديد . وكل ما كان يعني الإسلام هو إقامة نظامه الاجتماعي العادل في الأرض ، ليستظل بظله الجميع ، دخلوا الإسلام أم بقوا على عقائدهم بلا إكراه .