كلا ! فالامتناع عن تعلم اللغات وإقفال باب المعرفة حماقة لا يطلبها لنفسه عاقل ! وإنما السبيل هو أن نتعلمها بوعينا وإرادتنا ، لا على النحو الذي يريده لنا الاستعمار . نتعلمها كما تعلم المسلمون الأوائل اليونانية والفارسية والهندية - لغات العلم يومئذ والمعرفة - دون أن تتأثر بذلك عقيدتهم ، بل تعلموها لخدمة هذه العقيدة ومد نشاطها إلى كل فروع المعرفة .. ويومها أصبح المسلمون هم علماء الأرض .. مع بقائهم مسلمين !
ووقفة أخرى - لا يملك الإنسان نفسه إزاءها - ليقارن بين هذا الصنيع الصليبي في العام الإِسلامي ، وبين ما صنعه الإِسلام في البلاد المفتوحة ، ليتبين لنا الفرق بين اتجاه واتجاه !
فما لا شك فيه أن المسلمين نشروا لغتهم العربية في البلاد التي فتحوها ، وأنهم فتحوا هذه البلاد لينشروا فيها الإِسلام .. ولكن أي فرق .. !
لم يحفظ التاريخ قط أن المسلمين سعوا بأية وسيلة ملتوية إلى"استلاب"الناس من عقيدتهم وأفكارهم ليدخلوا الإِسلام ! وإنما كانت الدعوة صريحة مكشوفة لا تحايل فيها ، ولا ضغط كذلك ولا إكراه .
يقول ت. و. أرنولد - وهو كاتب مسيحي ، فوق مستوى الشبهات فيما نحن بصدده ! - في كتابه"الدعوة إلى الإٍسلام The Preaching of Islam"ص 48 من الترجمة العربية لحسن إبراهيم حسن وآخرين:
"ويمكننا أن نحكم من الصلات الودية التي قامت بين المسيحيين والمسلمين من العرب ، بأن القوة لم تكن عاملا حاسما في تحويل الناس إلى الإِسلام . فمحمد نفسه قد عقد حلفا مع بعض القبائل المسيحية ، وأخذ على عاتقه حمايتهم ومنحهم الحرية في إقامة شعائرهم الدينية ، كما أتاح لرجال الكنيسة أن ينعموا بحقوقهم ونفوذهم القديم في أمن وطمأنينة"