الصفحة 11 من 27

ثم انظر ماذا يكون من ثمرات ألوهية الناس على الناس وما يترتب عليها من عواقب وشرور. فمثلها في ذلك كمثل سفيه يناط به رياسة الشرطة أو رجل أمي سيء الخلق يتبوأ كرسي رئيس الوزراء. فإن نشوة الألوهية بطبيعتها تخرج المرء من حدوده، وإن لم يخرج وبقي معتدلًا في فكره، فهل للبشر ذلك العلم المحيط وذلك العدل والتعفف والتزهد في مطامع الدنيا والتجرد عن الشهوات التي يحتاج إليها في الألوهية؟ ومن ثم نرى أن كل مكان قامت فيه ألوهية الناس على الناس، قد فشا فيه الظلم والجور والاستثمار الممقوت والتكبر في أرض الله بغير الحق، وحرمت الروح البشرية حريتها الفطرية؛ وغلبت العقول البشرية على أمرها وغُلّت طبائعها الفطرية وخصائصها الفكرية بأنواع من الأغلال، ومنعت الشخصية الإنسانية كمال نشوئها وارتقائها فما أصدق ما قال سيد البشر سيدنا ومولانا النبي العربي صلى الله عليه وسلم"قال الله عز وجل إني خلقت عبادي حنفاء؟ فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم من دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم" [1] .

فقد تبين لك أن ألوهية الناس على الناس إنما هي أصل كل المصائب والدمار، وهي أصل جميع ما مني به البشر اليوم من البؤس والشقاء، وهذا هو الداء الذي أفسد أخلاق البشر وروحانيتهم وقواهم العلمية والفكرية، وأكل مدنية الناس وحياتهم الاجتماعية وسياستهم ومعايشهم وبلفظة أخرى إن هذا الداء قد أكل إنسانية البشر كما تأكل المرء حمّى الدّق. أكل الإنسانية منذ أقدم العصور في التاريخ الإنساني ولا يزال يأكلها إلى عصرنا هذا. فليس لهذا الداء من دواء إلا أن يقوم الإنسان فيكفر بالطواغيت جميعًا، ويؤمن بالله العزيز الذي لا إله إلا هو، ويخصه -تقدست أسماؤه- بالألوهية والربوبية، فهذا هو الطريق الوحيد لنجاة البشر من براثن ذئاب الإنسانية وقطاع سبيل البشرية. فإنه لن يتخلص من كثير من أولئك الطواغيت والآلهة الباطلة إلا بالإيمان بالله العزيز الحميد؛ وإن ادعى الإلحاد وتشدق بالدهرية.

(1) صحيح مسلم. مشكاة المصابيح: باب الإنذار والتحذير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت