ومنهم من يستبدون بكتاب الله ويعدون أنفسهم حملة له من دون غيرهم، فيحرمون العامة علمه وينفذون في الناس أحكامهم، يحلون ما يشاؤون، ويحرمون ما يريدون، زاعمين أن الله ينطق بألسنتهم، وبمثل هذه الحيلة يقهرون الناس على أن يتبعوهم ويتخذوهم أربابًا من دون الله، وهذا هو الأصل للبرهمية والبابوبية السائدة في مختلف أنحاء المعمورة إلى يومنا هذا بصور مختلفة وبأسماء متنوعة، وهي التي اتخذت منها بعض الشعوب والقبائل والبيوتات آلة وحيدة لسيادتهم وسلطتهم على الناس.
وإذا نظرت إلى المجتمع الإنساني من هذه الوجهة، استيقنت نفسك أن منبع الشرور والفساد الحقيقي إنما هو"ألوهية الناس على الناس"، إما مباشرة وإما بواسطة، وهذه هي النظرية المشؤومة التي تولد الشر منها أول أمره، وهي التي لا تزال تنفجر منها عيون الشر اليوم في كل مكان.
أما الله فإنه عليم بأسرار الفطرة البشرية، فلا تخفى عليه خافية من شرور النفوس وأهوائها. ولكن التجارب التاريخية طوال القرون الماضية المتطاولة، قد جعلتنا أيضًا على بينة من الأمر، وبينت لنا أن الإنسان لا يمكنه أن يعيش من غير أن يتخذ لنفسه إلهًا وربًا فلا يستغني البشر عن الإله والرب. وإن لم يرض بالله ربًا وإلهًا، فحينذاك يتسلط عليه جنود مجندة من الأرباب والآلهة الباطلة.
وإن كنت في ريب مما قلت آنفًا، فانظر إلى الحزب الشيوعي في روسيا، أليس الذين بيدهم زمام مكتبه السياسي Political Burean أربابًا من دون الله آلهة لأهل البلاد؟ وأليس"ستالين"كبيرهم وبطلهم، ربهم الأعلى؟ وهل في بلاد الروس من قرية أو مزرعة ( Farm) تخلو من صورة إله الروس وطاغيتهم هذا؟ وهل أتاك حديث القوم كيف افتتحوا النظام الشيوعي في القطعة التي استولوا عليها في بولونيا؟ لقد بعثوا ألوفًا من النسخ لصورة"ستالين"فبثت في كل قرية ليعرفوا أولًا وقبل كل شيء، إلههم العظيم وربهم الكبير، ثم يدخلون في الدين البلشفي، فعلام نال مثل هذه الأهمية رجل مثلنا، خلق من ذكر وأنثى؟ ولأي سبب يسلط رجل وإن كان يمثل جماعة ( Community) على رؤوس ملايين من البشر وأرواحهم بحيث تجري عظمته وكبرياؤه في عروقهم وشرايينهم؟ أليس هذا من أساليب الاستبداد الشخصي؟ ومن هناك نعرف كيف يصير البشر إلهًا لبشر مثله، وبمثل هذه الطرق تتولد الفرعونية والنمروذية والمزارية والقيصرية وتتأصل جذورها في كل زمان.
وهكذا الحال في"ايطاليا"نجد المجلس الفاشي الكبير مجمع الآلهة وناديهم، و"موسوليني"إلههم الأكبر. وكذلك ترى في"ألمانيا"زعماء الحزب النازي، كأنهم آلهة من دون الله، وعلى رأسهم الإله الأكبر"هتلر"ولا تحسبن"انكلترا"الديمقراطية خلوًا من أولئك الآلهة الباطلة على تشدقها بالديموقراطية ( Democraty) ، أو لا ترى نظار مصرفهم الكبير ( Bank Of England) وعددًا من الطبيقة العليا من أصحاب الثراء وأرباب السياسة كيف أخضعوا رقاب الجمهور لمطامعهم الأشعبية؟ وهكذا شأن أمريكا فإن الماليين منهم -لا يتجاوزون عدد الأنامل- قد استبدوا بموارد الثراء بأسرها وتحكموا في نفوس الأمة وأموالها ودمائها. فأصبحوا بفضل ثروتهم آلهة للأمة الأمريكية.
وبالجملة إنك حيثما وجهت نظرك وجدت أن أمة اتخذت نفسها إلهًا لقوم آخرين، أو طبقة سلطت ألوهيتها على طبقات أخرى، أو حزبًا سياسيًا استولى على مناصب الألوهية والربوبية واستبد بها أو تجد مسيطرًا (ديكتاتورًا) ينادي الملأ"مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي"فلم يبق البشر في أي بقعة من الأرض من غير إله.