الصفحة 47 من 59

"ومن الواضح أن أية جماعة مسيحية كانت تعفى من أداء هذه الضريبة إذا ما دخلت في خدمة الجيش الإسلامي، وكان الحال على هذا النحو مع قبيلة الجراجمة، وهي قبيلة مسيحية كانت تقيم بجوار انطاكية، سالمت المسلمين وتعهدت أن تكون عونًا لهم، وأن تقاتل معهم في مغازيهم على شريطة ألا تؤخذ بالجزية، وأن تعطى نصيبها من الغنائم، ولما اندفعت الفتوح الإسلامية إلى شمال فارس في سنة 22 هـ، أبرم مثل هذا الحلف مع إحدى القبائل التي تقيم على حدود هذه البلاد، وأعفيت من أداء الجزية في مقابل الخدمة العسكرية".

وقد مضى هذا الرجل المسيحي في ضرب الأمثلة من هذا النوع في العصور المتأخرة، إلى أن قال ص 59:

"ومن جهة أخرى أعفي الفلاحون المصريون من الخدمة العسكرية، على الرغم من أنهم كانوا على الإسلام، وفرضت عليهم الجزية [52] في نظير ذلك كما فرضت على المسيحيين"

مما يثبت بصفة قاطعة صفة الجزية على النحو الذي قررناه من قبل، ويبطل كافة الترهات الباطلة التي يثيرها المغرضون حول هذه المسألة بصفة خاصة، وحول علاقات الإسلام بمخالفيه في العقيدة ممن يعيشون في كنفه وتظللهم رايته وعدالته.

فأما الذين لم يدخلوا في سلطان الإسلام من أهل الديانات الأخرى، بل حتى ممن ليس لهم دين، فالإسلام لا يعاديهم ولا يقاطعهم ولا يحاربهم، إلا أن يبدأوا هم بالعدوان على المسلمين أو غير المسلمين، ونظامه يسمح بالتعاون الإيجابي معهم عن طريق المعاهدات التي يحترمها الإسلام كل الاحترام.

ولقد عقد النبي صلى الله عليه وسلم معاهدات كثيرة، كان الكفار أنفسهم طرفًا فيها في بعض الأحيان، وحافظ عليها كل المحافظة، ولم يسمح بنقضها إلا بعد أن نقضها الطرف الآخر، والنصوص القرآنية حاسمة في المحافظة على المواثيق. وهذه مسألة هامة تستحق أن نقف عندها وقفة قصيرة:

إن الدستور الإسلامي في العلاقات الدولية يلخصه النص التالي:

"لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" [53]

وعلى هذا الدستور يتعامل مع الناس أجمعين، وهو يؤثر المودة على العداوة حتى مع من عادوه مما ضمن كفهم عن الاعتداء، استحياء للمودة الإنسانية، وتوثيقًا للروابط البشرية، فقبل هذا النص يرد نص آخر هو:

"عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" [54] .

أما الوفاء بالعهد فالنصوص فيه كثيرة نجتزىء بالقليل منها:

"وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ، وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ" [55] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت