الصفحة 46 من 59

"الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ" [50] .

ويحسن كذلك أن أسوق الحادثة التالية عن الرسول صلى الله عليه وسلم فهي ذات دلالة خاصة على المشاعر التي تجيش في نفس المسلم الأول تجاه الذميين:

عن جابر بن عبد الله قال:"مرت بنا جنازة فقام النبي وقمنا، فقلنا: يا رسول الله إنها جنازة يهودي فقال:"أوليست نفسًا؟ إذا رأيتم الجنازة فقوموا" [51] ."

إنه الشعور المبرأ من كل عصبية، حتى عصبية الدين، وإنه الأفق الإسلامي السامق الذي يعيي المتطلعين، وأحب قبل أن أختم الحديث في هذه النقطة أن أثبت فقرات من كلام رجل مسيحي أوربي عن دعوة الإسلام في هذا المجال: جاء في كتاب"الدعوة إلى الإسلام"تأليف سير ت. و أرنولد وترجمة ابراهيم حسن وزميله. ص 54:

"لما ضربت دمشق المثل في عقد صلح مع العرب سنة 637 م، وأمنت بذلك السلب والنهب، كما ضمنت شروطًا أخرى ملائمة. . . لم تتوان سائر مدن الشام أن تنسج على منوالها، فأبرمت حمص ومنبج وبعض المدن الأخرى معاهدات قد أًبحت بمقتضاها تابعة للعرب، بل سلم بطريق بيت المقدس هذه المدينة بشروط مماثلة. وإن خوف الروم من أن يكرههم الامبراطور الخارج على الدين على اتباع مذهبه، قد جعل الوعد الذي قطعه المسلمون على أنفسهم بمنحهم الحرية الدينية أحب إلى نفوسهم من ارتباطهم بالدولة الرومانية وبأية حكومة مسيحية؛ ولم تكد المخاوف الأولى التي أثارها نزول جيش فاتح في بلادهم تتبدد حتى أعقبها تحمس قوي لمصلحة العرب الفاتحين."

أما ولايات الدولة البيزنطية التي سرعان ما استولى عليها المسلمون ببسالتهم، فقد وجدت أنها تنعم بحالة من التسامح لم تعرفها طوال قرون كثيرة، بسبب ما شاع بينهم من الآراء اليعقوبية النسطورية: فقد سمح لهم أن يؤدوا شعائر دينهم دون أن يتعرض لهم أحد، اللهم إلا إذا استثينا بعض القيود التي فرضت عليهم منعًا لإثارة أي احتكاك بين أتباع الديانات المتنافسة، أو إثارة أي تعصب ينشأ عن إظهار الطقوس الدينية في مظهر المفاخرة حتى لا يؤذي ذلك الشعور الإسلامي. ويمكن الحكم على مدى هذا التسامح الذي يلفت النظر في تاريخ القرن السابع من هذه العهود التي أعطاها العرب لأهل المدن التي استولوا عليها وتعهدوا فيها بحماية أرواحهم وممتلكاتهم وإطلاق الحرية الدينية لهم، في مقابل الإذعان ودفع الجزية""

ثم يقول في ص 58:

"ولم يكن الغرض من فرض هذه الضريبة على المسيحيين كما يريدنا بعض الباحثين على اظلن - لونًا من ألوان العقاب لامتناعهم عن قبول الإسلام، وإنما كانوا يؤدونها مع سائر أهل الذمة، وهم غير المسلمين من رعايا الدولة الذين كانت تحول ديانتهم بينهم وبين الخدمة في الجيش، في مقابل الحماية التي كفلتها لهم سيوف المسلمين، ولما قدم أهل الحيرة المال المتفق عليه، ذكروا صراحة أنهم دفعوا هذه الجزية على شريطة:"أن يمنعونا وأميرهم البغي من المسلمين وغيرهم"، وكذلك حدث أن سجل خالد في المعاهدة التي أبرمها مع بعض أهالي المدن المجاورة للحيرة قوله"فإن منعناكم فلنا الجزية وإلا فلا"."

ثم ذكر حادثة أبي عبيدة التي أثبتناها، ومضى فقال:

"وقد فرضت الجزية، كما ذكرنا على القادرين من الذكور مقابل الخدمة العسكرية التي كانوا يطالبون بأدائها لو كانوا مسلمين:"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت