الصفحة 45 من 59

وفي النص ذاته حجته، ذلك أنه حدد:"الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ"الذين أوجب قتالهم فهم"الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ"فهم على هذا الوصف كفار، ولو أنهم محسوبون من أهل الكتاب باعتبار ما كانوا. فليس هناك أحد لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، ثم يبقى له وصف أنه مسيحي أو يهودي، أو من أهل دين سماوي على الإطلاق فالأمر بقتال هذا الصنف من الناس هو أمر بقتال كفار في الحقيقة وإن كانوا من أهل الكتاب في الظاهر، وعلى ذلك يرد حكمهم إلى حكم الكفار، فيقاتلون عندما يعتدون، حسب الدستور الإسلامي في المحاربة والمهادنة - وسيجيىء ذكره بعد قليل ومع هذا يتسامح الإسلام معهم فيعتبرهم أهل كتاب حسب ظاهر الأمر، فيقبل منهم - في حالة اعتدائهم ودفع المسلمين لهم وانتصارهم عليهم - أن يؤدوا الجزية في حين لا يقبلها من الكفار في مثل هذه الحالة، والقصد من فرض الجزية واضح في الآية كذلك، وهو إعلان التسليم والمسالمة، وترك الاعتداء، والتمكين لحرية الدعوة، جزاء وفاقًا على الاعتداء ومصادرة الدعوة، ومطاردة المؤمنين بها، وال

ظلم في الأرض والفساد.

وكذلك نرى أن ضريبة الجزية ليست في الصورة الظالمة الغاشمة المعتمة التي يحاول بعض المغرضين والطاعنين في عدالة الإسلام أن يصوروها، ولا نحب أن نعقد موازنة بينها وبين الغرامات الحربية التي يفرضها المنتصرون في القرن العشرين، لأننا نرى دائمًا أنه لا يجوز عقد مثل هذه الموازنات، لأن نُظُم العالم الغربي وسلوكه ليست حجة، ووقوع ما يقع في القرن العشرين لا يصلح مبررًا لتصرفات الإسلام، فهذا العالم هابط حين يقاس إلى آفاق الإسلام الرفيعة، والذين يحاولون تبرير بعض التصرفات الإسلامية من كتابنا المعاصرين بأن نظائر هذه التصرفات تقع في القرن العشرين، إنما يقرون بالهزيمة الشعورية أمام النظم الغربية فيحسبون أنهم يقدمون للإسلام حجة أو سندًا والإسلام غني عن مثل هذه المعاذير.

وكما أن الإسلام يلاحظ في فرض الجزية ألا يجبر الذميين على عبادة من عبادات المسلمين كالزكاة والجهاد، كذلك هو يلحظ هذا في نشاط الذميين الاقتصادي داخل المجتمع الإسلامي فيبيح لهم من الأموال والمعاملات ما يحرمه على المسلمين في بعض الأحيان، من ذلك أنه يحرم على المسلم الخمر والخنزير أكلًا وامتلاكًا وتجارة؛ ومن ثم فهو لا يعدها مالا بالقياس إلى المسلم، فلو سرقت أو نهبت لم يعاقب سارقها أو ناهبها، ولو عدمت تحت يد الضامن لها ضاعت هدرًا ولم يغرم. . . هذا إذا كانت لمسلم، فأما إذا كانت لذمي فسارقها أو ناهبها يعاقب، وضامنها يغرم، لأنها مباحة عند الذمي، فالإسلام يحفظها عليه، ولا يتدخل في عقيدته.

والإسلام لا يكفل لأهل الذمة دماءهم فقط، كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة" [48] ولا أموالهم وحرياتهم فقط:"من ظلم معاهدًا أكلفه فوق طاقته فأنا حجيجه" [49] ثم يدعهم في عزلة اجتماعية، مكتفيًا بحماية أرواحهم وأموالهم وحرياتهم. . كلا إنما هو يفسح في رحابه وبين أهله أن يعيشوا مواطنين محترمين، تربط بينهم وبين المسلمين صلات المودة، والتبادل الإجتماعي، والمجاملات العامة، فلا يعزلهم في أحياء خاصة، ولا يكلفهم أعمالا خاصة، ولا يمنعهم الاختلاط بالمسلمين - على نحو ما يمنع البيض والسود في أمريكا، والملونون في جنوب أفريقيا.

إن الذميين في الإسلام يودون ويوادون، ويعيشون في جو اجتماعي طلق، يدعون إلى ولائم المسلمين، ويدعون المسلمين إلى ولائمهم، ويتم بينهم ذلك التواد الاجتماعي اللطيف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت