الصفحة 44 من 59

لقد فرض الإسلام الزكاة على كل مسلم يملك ما يقابل من عملتنا الحاضرة اثني عشر جنيهًا فما فوقها، كما فرض الجهاد - أي ضريبة الدم - على كل قادر، لحماية الفكرة الإسلامية ودفع الظلم والجور عن الناس جميعًا ومنهم الذميون، ولما كانت الزكاة والجهاد عبادتين إسلاميتين، فضلًا على أنهما ضريبتان في النفس والمال لم يشأ الإسلام أن يكلف بهما أهل الذمة، لأنهم لا يدينون بالعقيدة الإسلامية التي تفرض هاتين العبادتين، وبدلا من ضريبة المال وضريبة الدم فرض على الذميين، الجزية، وهي فريضة مالية بحتة لا ظل فيها للعبادة.

كذلك يجب أن يلاحظ أن الزكاة مفروضة على المسلمين رجالا ونساء، كما أنها مفروضة في مال الصبي يخرجها وليه عنه، أما الجزية فمفروضة على الرجال وحدهم دون النساء والأطفال، وهي ثابتة في الغالب في ثلاث فئات، بينما الزكاة تتبع درجة الثراء إلى غير حد، وقد كانت الجزية تؤخذ ثمانية وأربعين درهما في العام من الموسر، وأربعة وعشرين درهما على الوسط، واثني عشر درهما على الصانع ومَن في حكمه، ولا تؤخذ الجزية عن المسكين الذي يتصدق عليه، ولا من أعمى لا حرفة له ولا عمل، ولا من مقعد، وكذلك المترهبون في الأديرة ما لم تكن لهم أموال خاصة، وكذلك أهل الصوامع [42] والذي لا ينتفع في مقابل أداء الجزية بمجرد الحماية الخارجية والداخلية، بل ينتفع كذلك بالكفالة الاجتماعية التي يفرضها الإسلام لغير القادرين على الكسب، سواء كانوا أطفالا أم مرضى أم عجزة أم شيوخًا، والإسلام يفرض لهؤلاء جميعًا ما يكفيهم دون نظر إلى جنسهم أو لونهم، ودون النظر إلى ديانتهم كذلك، والسوابق الإسلامية تؤكد هذا المبدأ الإنساني العظيم:

رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، شيخًا ضريرًا يسأل على باب، فسأل، فعلم أنه يهودي، فقال له: ما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزية والحاجة والسن، فأخذ عمر بيده وذهب به إلى داره، فأعطاه ما يكفيه ساعتها، وأرسل إلى خازن بيت المال: انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم."إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ" [43] وهذا من مساكين أهل الكتاب [44] .

ولما سافر إلى دمشق مر بأرض قوم مجذومين من النصارى، فأمر أن يعطوا من الصدقات، وأن يجرى عليها القوت [45]

وهكذا ترتفع روح الإسلام بعمر إلى هذا الأفق الإنساني منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنًا، فيجعل الكفالة الاجتماعية حقًا إنسانيًا لا يتعلق بدين ولا ملة، ولا تعوقه عقيدة ولا شرعة.

كذلك تثبت السوابق التاريخية أن المسلمين ردوا الجزية إلى بعض من حصلوها منهم، لأنهم عجزوا عن حمايتهم، وقد رد أبو عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه - إلى أهل الشام جزيتهم حينما بلغه أن الروم قد جمعوا له، فكتب إلى أمراء المدن التي تم الصلح أن يردوا على أهلها ما جبي منهم وأن يقولوا لهم: إنما رددنا عليكم أموالكم، لأنه قد بلغنا ما جمع لنا من الجموع، وإنكم قد اشترطتم عليكم أن نمنعكم، وإنا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم، ونحن لكم على الشرط وما كتبنا بيننا، إن نصرنا الله عليهم" [46] ."

بقي نص قرآني يرتكن عليه الطاعنون في الإسلام، كأنما عثروا على حجة لا تدفع، وطعنة لا ترد؛

"قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ" [47]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت