وفي سورة البقرة دعاء على لسان إبراهيم واسماعيل في أثناء قيامهما ببناء البيت الحرام يقولان فيه:"رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ" [37] .
وحكاية كذلك عن ابراهيم و يعقوب والأسباط:"، وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ، إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ، أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ" [38] .
وهكذا يتضح أن الرسل جميعًا جاءوا برسالة واحدة هي عبادة الله وحده بلا شريك وهي الإسلام في معناه العام وعلى أساس هذا كان إبراهيم واسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط"مسلمين" [39] .
وتبعًا لهذه الحقيقة الكلية يؤمن المسلمون بالرسل جميعًا، ولا يفرقون بينهم، ولا يكرهون دياناتهم، ولا أتباع هذه الديانات، وكل ما يطلبونه منهم أن يؤمنوا هم كذلك بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم مصدقًا لما بين أيديهم، فإن لم يستجيبوا فهم وما يشاءون، وليدعوا المسلمين آمنين، يبلغون دعوتهم للعالمين:
"شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ" [40] . ."قُولُوا آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" [41] .
والإسلام تبعًا لفكرته هذه عن الديانات المختلفة، وتمشيًا مع نزعته العالمية، لا يبت الصلة بينه وبين من لا يؤمنون به ما داموا لا يحاربونه، ولا يمنعون دعوته أن تبلغ الناس، ولا يفسدون في الأرض، ولا يعتدون على الضعفاء؛ بل يفسخ للداخلين في سلطانه مجال الحياة كاملا، ويفسح لمن لا سلطان له عليهم مجال التعاون العالمي في الخير والصلاح. ويحسن أن نقول كلمة عن نوع العلاقات بين المجتمع الإسلامي وبين كلا الفريقين ممن لا يدينون بدين الإسلام.
فأما الداخلون في سلطانه فهم الذميون - أي الذين أعطاهم الإسلام ذمته أن يحميهم ويدفع عنهم كل اعتداء خارجي، وأن يكفل لهم في الداخل حرمة أرواحهم وأموالهم وعقائدهم، ويحرس له معابدهم، ويسمح لهم بمزاولة نشاطهم الاجتماعي والاقتصادي في الحدود التي لا تفسد نظام المجتمع، ولا تعارض أسسه الأخلاقية المقررة - كل أولئك في مقابل ضريبة الجزية للحكومة الإسلامية.
ولا بد من كلمة عن"الجزية"فإن هناك لغطًا كثيرًا حولها، ينشئه الجهل بحقيقتها، أو الغرض في طعن الإسلام عن طريقها.