الصفحة 42 من 59

إن الإسلام؛ تمشيًا مع طبيعته العالمية، قد احتضن الرسالات والديانات كلها من قبله وقرر مع وحدة الإله، وحدة العقيدة، ووحدة الدين الذي أرسل الله به رسله جميعًا، فكل الرسل جاءوا بدين واحد، هو الإسلام، إسلام القلب لله وحده بلا شريك، وهذا هو أساس العقيدة الذي لا يتبدل، أما التشريع الذي ينظم حياة الجماعة فهو الذي يتطور في الرسالات الإلهية على أيدي الرسل، تبعًا لمصلحة البشرية ودرجة نموها، وتطور إدراكها. . حتى إذا جاء الإسلام في صورته النهائية التي جاء عليها في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم كان قد احتضن الفكرة الأساسية في دين الله الواحد، واستبقى الصالح من المبادىء والتشريعات والنظم في الرسالات السابقة، وأكمل الناقص منها وأتمّه:"الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا" [30] .

وإذن فكل من مات مسلمًا لله من أهل كل ديانة قبل أن تأتي الديانة التالية، فقد مات على (الإسلام) وقبل الله منه إسلامه وعلى الله حسابه فيما أحسن أو أساء:

"بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ" [31] .."إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ" [32] .

فأما بعد رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فقد أصبح الدين هو الإسلام في صورته الأخيرة:"مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ" [33] . . جامعًا للأصول الثابتة في الرسالات قبله فمن ابتغى غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه.

ولكن القبول وعدم القبول إنما هو مسألة بين الرب والعبد، ولا نعني بأية حال إكراه غير المسلمين على الإسلام، إنما هذا بيان لهم من الله، وموعظة أن يسارعوا إلى دين الله كما أراده الله وألا يتشبثوا بصور من هذا الدين فات أوانها، وأدت دورها في حينها، ولم تعد صالحة بعد هذا الأوان، إذا هم رغبوا في طاعة الله، وحرصوا على رضاه، فإن تولوا فإنما أمرهم إلى الله.

"قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ" [34]

ويحسن أن نعرض هنا بعض النصوص في وحدة العقيدة، وفي بيان أن كل دين كان هو الإسلام في صورة من صوره الموحدة الأصل، ذلك أن هذه النصوص تكشف لنا عن الطبيعة العالمية للإسلام، باحتضانه كافة العقائد السماوية قبله، واحترامها، واحترام أنبيائها وأتباعها، ومودته للمؤمنين منهم، وسماحته بحرية العبادة حتى إن لم يؤمنوا به، ما لم يقاوموه ويحادوه.

في سورة الأعراف ترد قصص نوح وهود وصالح متجاورة، فيرد فيها نص واحد على لسان هؤلاء الأنبياء في دعوتهم إلى أقوامهم منذ أقدم الرسالات:

"لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ" [35]

"وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ"

"وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ" [36]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت