فهنا يحتم الإسلام الوفاء بالعهد، وعدم نقضه، ويحذر من الخديعة والدّخل في المواثيق، بغية أن تكون أمة هي أربى من أمة، فهذا العذر الذي يعتذر به الساسة الكذبة الخداعون، وهو مصلحة"الدولة"لا يعترف به الاسلام، ولا يراه مبررًا للخديعة والدخل في العهود، ولا في نقض المعاهدات والمواثيق، وحتى حين يستنصر المسلمون إخوانهم المسلمين ليجاهدوا معهم في الدين فإن هذا لا يبيح لإخوانهم نقض للعهد الذي سبق له الأداء، ما دامت شروطه مصونة من الأعداء:"وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ". . . وهي قمة في الوفاء بالعهد تقصُر دونها الكلمات.
ولم تكن هذه مُثُلا نظرية، ولا مبادىء مثالية، إنما كانت سلوكًا واقعيًا في حياة المسلمين، وفي صلاتهم الدولية، والأمثلة على ذلك كثيرة من الواقع التاريخي في الإسلام، نجتزىء منها بعضها في هذا المقام:
قال حذيفة بن اليمان: ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أنني خرجت أنا وأبو الحسين، فأخذنا كفار قريش فقالوا: إنكم تريدون محمدًا، فقلنا ما نريده وما نريد إلا المدينة، فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننطلق إلى المدينة ولا نقاتل معه. . فأتينا رسول الله فأخبرناه الخبر، فقال:"انصرفا: نفي بعهودهم ونستعين الله عليهم".
وقال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: بعثتني قريش إلى النبي، فلما رأيت النبي وقع في قلبي الإسلام فقلت: يا رسول الله لا أرجع اليهم قال:"إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس المرء، ولكن ارجع اليهم فإن كان في قلبك الذي فيه الآن فارجع".
"وحينما كان سهيل بن عمرو يفاوض النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية - وبينما كان يكتب عهد الهدنة وقبيل توقيعه - جاءه أبو جندل بن سهيل يوسف في الأغلال، وقد فر من الكفار، فلما رأى سهيل ابنه قام وأخذ بتلابيبه وقال: يا محمد لقد لجت القضية بيني وبينك - يعني انتهى الجدل فيها ووضحت - فقال محمد:"صدقت"فقال أبو جندل: يا معشر المسلمين أأرد إلى المشركين يفتنوني في ديني؟ فلم يغن عنه ذلك شيئًا، ورده رسول الله وفقًا للشروط التي اتفق عليها، وإن كان بعد لم يوقعها".
وأخيرًا فإن المجتمع الإسلامي هو المجتمع الذي يوفر العدالة المطلقة لجميع المواطنين بصرف النظر عن عقائدهم وأجناسهم وألوانهم ومواطنهم، ويبلغ في هذه السمة ما لم يبلغه مجتمع آخر قديمًا أو حديثًا، وعلى هذا المبدأ تتضافر النصوص التشريعية ويؤيدها الواقع التاريخي.
يتحدث القرآن عن العدل، فيقرر أنه العدل بين الناس:"وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ" [56]
ثم يتحدث عن الملابسات التي لا سبيل إلى تجاهلها في المجتمع؛ ملابسات القرابة والصداقة، وملابسات العداوة والشنآن، فيدعوا إلى نفيها من ساحة العدالة كي لا تفسدها: