ولمثل هذه الأغراض وحدها كانت الحروب الإسلامية التي انبعثت من روح الإسلام، فإذا وقع في بعض الأحيان من بعض الجماعات الإسلامية أن كانت حربهم لغير هذه ألأهداف بأن تدخّلَ عنصر الرغبة في الاستغلال المادي. أو عنصر الإكراه على الدخول في الدين، أو أي عنصر آخر غير ما أسلفنا. . . فذلك انحراف عن مُثُل الإسلام وأهدافه يكرهه الإسلام ويكرهه أصحابه ولا يقرهم على عمل ولا نية. . . وقد كانت الأمثلة من هذا النوع قليلة على كل حال في تاريخ المسلمين. ويحسن أن نستعرض هنا بعض النصوص من القرآن والسنة لبيان تلك المعاني التي أسلفنا:
إن الإسلام لم يشأ أن تكون وسيلته إلى حمل الناس على اعتناقه هي القهر والإكراه في أية صورة من الصور، حتى القهر العقلي عن طريق المعجزة لم يكن وسيلة من وسائل الإسلام كما كان في الديانات قبله، من نحو الآيات التسع لموسى، والكلام في المهد وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص لعيسى. . لقد شاء الإسلام أن يخاطب القوى المدركة في الإنسان، ويعتمد عليها في الاقتناع بالشريعة والعقيدة، وذلك جريًا على نظرته الكلية في احترام هذا الإنسان وتكريمه.
وتبعًا لهذه الفكرة لم يشأ - من باب أولى - أن يجعل القهر المادي وسيلة للاقناع، أو لحمل الناس على اعتناقه بالإكراه، ولم يضق ذرعًا باختلاف الناس في المنهج والعقيدة، بل اعتبر هذا ضرورة من ضرورات الفطرة، وغرضًا من أغراض الإرادة العليا في الحياة والناس:
"وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ" [19] ."وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ" [20] .
ولكي يطامن من رغبة النبي صلى الله عليه وسلم في حمل الناس على دينه، ويهدىء من حماسة المسلمين في تحقيق هذه الغاية يقرر القرآن الكريم أن إرادة الله لم تحتم أن يكون الناس جميعًا من المؤمنين، ويقرر أن لا إكراه لأحد ليكون من المسلمين.
"وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" [21] ."لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ" [22] .
فليست غاية المسلمين أن يكرهوا أحدًا على اتباع الإسلام، إنما كل غايتهم أن تترك لهم حرية الدعوة، وأن تترك للناس حرية الاعتقاد؛ فإذا تبين الرشد من الغي، فقد تركت الحرية للناس بعد هذا التبيين، وبطل الإكراه والقهر بنص القرآن.
أما القتال فقد شرع لغرض آخر. . شرع للدفاع عن حرية المسلمين الذين أوذوا فعلا بسبب عقيدتهم، وأُخرجوا من ديارهم، لغير ما سبب إلا أن يقولوا: ربنا الله، وفي هذا يقول القرآن الكريم:"أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ" [23]