على أن المهمة التي أناط الله بها الأمة المسلمة، ليست هي مجرد هداية الناس إلى الخير الذي جاء به الإسلام وحماية العقيدة الإسلامية وأصحابها؛ إنما هي أكبر من ذلك وأشمل. . إنها كذلك حماية العبادة والاعتقاد للناس جميعًا، واستبعاد عنصر القوة المادية من ميدان الاعتقاد والعقيدة، وحماية الضعفاء من الناس من عسف الأقوياء، ودفع الظلم أيًا كان موقعه وأيًا كان الواقع عليه، وكفالة القسط والعدل للبشرية كافة، ومقاومة الشر والفساد في الأرض بحكم الوصاية الرشيدة التي ناطها الله بهذه الأمة إذ يقول:
"كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ" [16] ."وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا" [17] .
وكذلك نرى أن المهمة التي ناطها الله بالمسلمين، والمشاق التي تعترض طريقهم لأداء تلك المهمة تقتضي ذلك التضامن المطلق على أساس الفكرة التي تجمعهم، وتقوم منهم مقام الجنس والوطن والدم والنسب لأن عليهم واجبًا أبعد وأكبر من هذه الصلات كلها مجتمعة.
هنالك عصبية إسلامية إذن، ولكنها عصبية على هذا المعنى وفي تلك الحدود، عصبية التضامن بين المسلمين جميعًا في الإخلاص لفكرة، وعصبية التعاون فيما بينهم على إيصال الخير الذي تحمله هذه الفكرة للناس جميعًا، الخير الذي جربوه في حياتهم الخاصة فانتفعوا به انتفاعًا عظيمًا. . إيصاله إلى الناس جميعًا بالدعوة إليه بالحسنى:
"ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" [18] .
وعلى إزالة الحواجز التعسفية من طريق هذه الدعوة، ومن هذه الحواجز الدولة التي تمنع رعاياها بالقوة من الاستماع إلى دعوة الإسلام، أو تمنع الدعاة الإسلاميين بالقوة من نشر دعوتهم، ومن باب أولى حماية المسلمين أن يعتدي عليهم سواهم، وحماية النظام الاجتماعي الإسلامي أن يخرج عليه أحد بالقوة.
وأخيرًا لتحقيق العدالة الاجتماعية في الأرض كلها، ودفع الظلم في أية صورة من صوره، لا يهم أن يكون هذا الظلم واقعًا على مسلم أو غير مسلم، واقعًا على فرد من فرد أو على أمة من فرد، أو على أمة من أمة. . فالأمة المسلمة، كما أسلفنا مكلفة دفع الظلم عن البشرية كافة لحساب البشرية كافة، وبالنظرة الإنسانية الشاملة لا المذهبية الضيقة، تحقيقًا لمعنى الرحمة العامة، التي أرسل بها محمد صلى الله عليه وسلم للعالمين، وتحقيقًا للوصاية العامة التي ناطها الله بالمسلمين.
إنها ليست عصبية الكراهة للأجناس الأخرى، فالأمة المسلمة خليط من جميع الأجناس، ولا لأتباع دين معين، لمجرد أنهم لا يعتنقون الإسلام، إنما هي عصبية الرغبة في اجتذاب البشرية كلها إلى الخير المشترك - بدون إكراه - وعصبية الرغبة في تحقيق العدل الكامل لكل فرد وكل شعب وكل جنس. حتى لو بقي هؤلاء جميعًا على دياناتهم بعد استماعهم لدعوة الإسلام، لمجرد كونهم آدميين يوجب على الأمة المسلمة أن تحميهم من الظلم في كل صورة من صوره، وأن تقيهم الفساد في أي شكل من أشكاله.