الصفحة 37 من 59

هنا تعرض شبهة. . أليس الإسلام يقيم عصبية مكان عصبية؟ أليس يحطم التعصب العنصري والتعصب القومي لينشىء في مكانهما تعصبًا دينيًا، قد يكون أخطر على الإخاء البشري من عصبية الجنس وعصبية الوطن؟ ألم تذق البشرية من ويلات التعصب الديني قديمًا في الحروب الصليبية وحديثًا في المذابح الهندية ما يعدل شرور الحرب العنصرية والحروب الاستعمارية؟

والذين لا يعرفون الإسلام على حقيقته قد يكون لهم العذر في أن يقيموا لهذه الشبهة وزنًا، ولا سيما الغربيون الذين شوهت حملات الصليبيين فكرتهم عن الإسلام، ولم يتم تصحيح هذه الفكرة لهم حتى الآن، لذلك نراها جديرة بشيء من البيان:

إن الإسلام ينادي بنفسه رسالة عالمية للبشر كافة فلم يجيء محمد صلى الله عليه وسلم رسولا لقريش ولا لعرب الجزيرة، ولا للجنس السامي - كما جاء المسيح عليه السلام لهداية خراف بني إسرائيل الضالة كما قال - إنما أرسل محمد إلى البشر كافة في أقطار الأرض جميعًا."وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا" [9]

والإسلام يعد نفسه خيرًا وبركة ورحمة للناس جميعًا:"وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ" [10] "إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ" [11] ، وتبعًا لنظرة الإسلام الإنسانية، فإنه يريد للبشرية كلها أن تنعم بخيره ورحمته وهدايته، ولا يريد أن يكون هذا كله وقفًا على قوم أو جنس، على طريقة اليهودية مثلًا!

ولكنه في الوقت ذاته لا يحاول أن يقسر الناس قسرًا على إتباعه:"لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ" [12] وكل ما يريده هو أن تترك له حرية الدعوة بين أهل الأرض جميعًا، كي يصلهم بالخير المطلق الذي جاء به، والذي لا يجعله وقفًا على أحد ولا حكرًا على أحد، وأن تكفل لأتباعه حرية العقيدة، فلا يفتنوا عن دينهم بالقوة، ولا يضاروا في أنفسهم أو أموالهم وأن تتاح له القوة اللازمة لحمايتهم من هذا كله، لتنفيذ شريعته بينهم، لأنه لا بد للقانون من قوة تكفل احترامه وتحقق النظام الاجتماعي الذي يقوم عليه بجانب الوازع النفسي والتهذيب الخلقي. . وكل هذا يقتضي نوعًا من التنظيم لأتباعه ورابطة معينة يقوم عليها هذا التنظيم. .

ومن هنا يقرر الأخوة الإسلامية التي تقوم مقام الجنس، ومقام الوطن. بل مقام الدم ومقام النسب:"لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ" [13] "قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ" [14]

"إن من عباد الله لأناسًا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله تعالى."قالوا: يا رسول الله تخبرنا من هم؟ قال:"هم قوم تحابوا بروح الله بينهم على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله أن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزِن الناس" [15] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت