الصفحة 40 من 59

ومع أن هذا النص يكشف عن السبب المباشر في الإذن للمسلمين بالقتال فإن بقيته تبين حكمًا عامًا في مشروعية القتال، وغاية الله من نصر من ينصرهم فيه، وذلك هو ضمان حرية العقيدة عامة للمسلمين وغير المسلمين وتحقيق الخير في الأرض والصلاح. فهو يقول: إنه لولا مقاومة بعض الناس وهم المؤمنون لبعض الناس وهم الظالمون:"لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ"والصوامع معابد الرهبان والبيع كنائس النصارى، والصلوات كنائس اليهود، والمساجد مصليات المسلمين، وهو يقدم الصوامع والبيع والصلوات في النص على المساجد توكيدًا لدفع العدوان عنها، فهي إذن دعوة إلى ضمان حرية العبادة للجميع واحترام أماكن العبادة جميعًا ثم وعد بالنصر الذي يؤدي إلى تمكين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر العابدين لله، الباذلين أموالهم للعفاة. . .

فالإسلام لا يريد حرية العبادة لأتباعه وحدهم، إنما يقرر هذا الحق لأصحاب الديانات المخالفة، ويكلف المسلمين أن يدافعوا عن هذا الحق للجميع، ويأذن لهم في القتال تحت هذه الراية، راية ضمان حرية العبادة لجميع المتدينين. . . وبذلك يحقق أنه نظام عالمي حر، يستطيع الجميع أن يعيشوا في ظله آمنين، متمتعين بحرياتهم الدينية على قدم المساواة مع المسلمين وبحماية المسلمين.

ومع الإذن للمسلمين بالقتال لتحقيق هذا الغرض، فإنهم أمِروا ألاَّ يعتدوا، وحددت لهم الأحوال التي يجب فيها القتال لتحقيق ذلك الغرض والتي فيها لا يجوز. فهم مكلفون أن يقاتلوا من يقاتلونهم، ومن يفتنون فريقًا منهم عن دينهم - والفتنة أشد من القتل لأنها اعتداء على أخص خصائص الإنسان، وخي حرية الوجدان، - وهم منهيون عن الاعتداء وعن قتال أعدائهم في الأمكنة والأزمنة التي يحرم فيها القتال إلا إذا بدأوهم بالقتال.

"وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ، وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ، فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَوا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ، الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ" [24] .

وهنا نجد كذلك أن الغاية من هذه الحروب هي دفع العدون بدون اعتداء، ودفع الفتنة عن الدين وترك الدين لله، والقاعدة العامة هي أن لا حرب إلا مع المحاربين ومع الطغاة الذين يصدون الناس عن دينهم ظالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين.

هنالك فريق آخر يدعو الإسلام إلى حربهم حربًا وقائية: أولئك الذين ينقضون معاهداتهم السلمية مع المسلمين، ويكرروا هذا النقض، بحيث يبقى المسلمون في قلق من حياتهم في كل لحظة، فعلى المسلمين أن يعلنوهم بنبذ ما بينهم وبينهم من معاهدات. ولكن حتى هؤلاء ليس للمسملين عليهم من سبيل إذا هم آثروا السلم وجنحوا إليها واختاروها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت