"لقد كان دعاة النظام الرأسمالي - وبخاصة في أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر - يعلنون أنه يقوم على مبدأ المنافسة الحرة، وهي منافسة تنسجم فيها مصالح الأفراد والجماعات، وأخذ النظام الرأسمالي يسير في طريق تطوره، وإذا بهذه المنافسة يتضاءل شأنها تدريجًا، وإذا بالحياة الاقتصادية قد أصبح طابعها الاحتكار - وهو نقيض المنافسة -."
أما ذلك الانسجام الذي تحدث عنه الكتاب؛ فقد وضع مكانه التعارض بين المصالح، وارتفعت الأصوات تندد بهذه الظاهرة، الأمر الذي حمل الدولة على التدخل باطراد للحد من قوة هذا التعارض وخطورته، ولرعاية مصالح الطبقات والطوائف الضعيفة والمستضعفة ومحاولة توفير الطمأنينة لها. وتضخمت الديون الأهلية، وزادت أعباؤها بصورة بالغة، وأصبحت عنصرًا أساسيًا من عناصر المجتمع الحديث، وقوة تعمل على إضعاف بنيانه ومقدرته على المقاومة، ومن الناحية الدولية نجد أن الصراع بين الدول الرأسمالية الكبرى أدى إلى التنافس الشديد على مصادر المواد الأولية وأسواق السلع ورؤوس الأموال، وهو التنافس الذي ينتهي بالصراع، مما يدل عليه الحربان اللتان نشبتا في النصف الأول من القرن الحالي، فالحركة الاستعمارية التي نشطت في عهدها الحديث منذ أواخر القرن التاسع عشر، بما اتصفت به من متناقضات ومنازعات وحروب إن هي إلا مظهر للتطور الرأسمالي الاحتكاري" [5] ."
عندئذ - ولهذه الأسباب - اتجهت انجلترا بصفة خاصة إلى الاشتراكية، كما اتجهت روسيا إلى الماركسية، وإن كانت قد أحدثت فيها تغييرات عملية هامة تكاد تخرجها عن طبيعتها النظرية الأولى، وكل ما تضمنته الاشتراكية وتضمنته الشيوعية من مبادىء إنما جاء وليدًا لتلك التطورات التاريخية، أما المبادىء التي جاءت في النظام الإسلامي في هذا الاتجاه فهي ذاتية أصيلة في النظام الإسلامي، تضمنتها الشريعة الإسلامية يوم جاءت من عند الله قبل أربعة عشر قرنًا، وقد جاءت لتصوغ المجتمع على وفقها، لا لأن التطورات الاجتماعية هي التي ولدتها، أي أنها كانت قوة دافعة للتطور الاجتماعي لا نتيجة تبعية له، وعلى حين تؤدي المباديء الاشتراكية أو الماركسية دورها التاريخي وتنتهي بسبب أنها نتيجة تبعية للتطور، لا قوة دافعة للتطور. . على حين ينتهي دور هذه المبادىء عند حد معين ويحتاج المجتمع إلى مبادىء جديدة، فإن مبادىء الإسلام تظل تعمل لأنها أكبر من الحاجات الوقتية للبيئة بسبب أنها لم تكن وليدتها، بل كانت وستكون محركة لها في طريق الرقي الدائم المرسوم منذ أربعة عشر قرنًا.
إن الاشتراكية تلتقي مع الإسلام في نقط كثيرة في الجانب الاقتصادي. تلتقي معه مثلا في محاولة ضمان حد أدنى لائق للأفراد من حيث العمل والمسكن والصحة، وتوفير العمل للمواطنين جميعًا بوصفه حقًا من حقوقهم الأساسية وتلتقي معه في أنها لا تدعو إلى القضاء المطلق على الملكية الفردية، مع تأمين المرافق المتصلة بالموارد العامة للثروة كالمناجم. وتلتقي معه في التقريب بين مختلف طوائف المجتمع، ومنع الإسراف الذي لا مبرر له، وامتصاص الثروة الفائضة حتى يتوافر للدولة المال الكافي لمواجهة الأعباء الاجتماعية للشعب كله، واتخاذ التأمين الاجتماعي والضمان الاجتماعي قاعدتين أساسيتين للتكافل الاجتماعي.
ولعل هذا الالتقاء هو الذي يوجد تلك الشبهة عند الدعاة الإسلاميين أنفسهم، فيتحدثون عن"الإسلام الاشتراكي"وعن"اشتراكية الإسلام"وعن"الاشتراكية الإسلامية"وما اليها.