الصفحة 31 من 59

ولقد توجد مشابهة بين بعض النظم الإسلامية وبعض خصائص النظام الرأسمالي كحق الملكية الفردية، وحق الاستثمار الفردي وحق الارث، ولكن علينا أن نذكر أن هذه الأحوال قد تضمنتها الشريعة الإسلامية قبل مولد النظام الرأسمالي بثمانية قرون، غير متأثرة بالعوامل التاريخية التي تأثرت بها المجتمعات الأوروبية، ولا معاصرة لقواعد التفكير الرأسمالي الذي جاء متأخرًا جدًا، وهذه المشابهة سطحية في حقيقتها لأن النظام الاجتماعي الإسلامي نظام متكامل، غير مقيد ولا مقلد لأي نظام لاحق - وأسبقيته تمنع منعًا طبيعيًا من التقليد - والمهم أن نتذكر دائمًا أن سائر النظم قد تكون متأثرة أو غير متأثرة بجزئيات من النظام الإسلامي، لأنها متأخرة عنه، أما هو فمن غير المعقول أن يكون قد أخذ منها، ومولده سابق على أقدمها بحوالي عشرة قرون، وشريعته ثابتة غير متأثرة في أصولها بعوامل التطور التاريخي.

نقول: إن هذه المشابهات ليست إلا ظاهرية وجزئية، وأنا أعرف الكثيرين يرون الإسلام مثلا يقرر حق الملكية الفردية وحق الاستثمار الفردي وحق الإرث فيتصايحون: نظام رأسمالي!؟

وبغض النظر عن اختلاف النشأة التاريخية للنظام الإسلامي والنظام الرأسمالي فإننا نعرض لبعض الموازنات الموضوعية بين قواعد النظامين هنا على سبيل الإجمال لنتبين سطحية ذلك التصايح التقليدي؟

إن الربا والاحتكار قاعدتان أساسيتان من قواعد النظام الرأسمالي، والربا والاحتكار محرمان تحريمًا باتًا في النظام الإسلامي (وسيجيء تفصيل هذا في مكانه) .

كذلك نجد أن انقسام المجتمع إلى دول قومية كان من المظاهر السياسية اللازمة لنشأة النظام الرأسمالي وهذه القومية الحادة هي التي حملت معها نظام الاستعمار للاستيلاء على الخامات واحتكار الأسواق؛ باعتبار"الاستعمار أعلى مراتب الرأسمالية"كما يقول لينين، بينما الإسلام ينكر الشعور القومي الحاد، ويتجه اتجاهًا عالميًا، ويجعل حدوده هي حدود الفكرة لا تُخوم الأرض، ومن ثم يستبعد فكرة الاستعمار لاحتكار الأسواق، وبذلك يتجه اتجاها مضادًا للتفكير الرأسمالي.

أما الملكية الفردية والاستثمار الشخصي والإرث وما اليهما فتقوم في الإسلام على أسس أخرى غير الأسس التي تقوم في النظام الرأسمالي.

فالملكية الفردية ليست سوى وظيفة اجتماعية، أما أصل المال فهو لله، والجماعة كلها مستخلفة فيه عن الله، والأفراد نائبون عن الجماعة في استثماره بطرق تحددها الشريعة، وليست مطلقة من كل قيد، وحق الجماعة فيه ثابت. فهو يرد على الجماعة كلما احتاجت إليه وبقدر الحاجة وحسبها، ومن ثم فالملكية الفردية في الإسلام شيء آخر غير الملكية الفردية في النظام الرأسمالي، شيء مستقل في أساسه وفي اتجاهه، والمشابهة ظاهرية وجزئية. وكذلك سائر الحقوق المترتبة على الملكية الفردية. . . (وسيأتي تفصيل هذا كله فحسبنا هذه الإشارة المجملة في هذا المقام) .

هذه المشابهات الظاهرية الجزئية التي توجد بين النظام الإسلامي والنظام الرأسمالي يوجد مثلها أو أكثر منها بينه وبين النظام الاشتراكي والنظام الشيوعي، وهذا وحده كاف في الدلالة على أن النظام الاجتماعي في الإسلام ليس واحدًا من هذه النظم لوجود بعض خصائص متفرقة فيها مجتمعة فيه، وذلك فوق أنه سابق عليها فهي قد تأخذ منه ولكنه لم يأخذ منها على وجه اليقين، وعلى أية حال فيحسن أن نمضي في بعض الموازنات الموضوعية بين النظام الإسلامي والنظام الإشتراكي، ثم بينه وبين النظام الشيوعي بصفة إجمالية حتى يجيء التفصيل في مكانه.

لقد عجز النظام الرأسمالي عن مجاراة التطور الاجتماعي في أوربا. .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت