الصفحة 33 من 59

ولكن الواقع أن أسبقية النظام الإسلامي تمنع من إعطائه وصفًا لاحقًا. هذا من ناحية الشكل. أما من ناحية الموضوع فالإسلام نظام متكامل تجيء فيه هذه الاتجاهات مرتكنة إلى أصول ثابتة، ومعتمدة على فكرة كلية متناسقة الأجزاء متصلة بالعقيدة في الله. . بينما الاشتراكية فكرة مادية عن الحياة لم تتناول غير الجانب الاقتصادي في حياة المجتمع، ومن ثم فهي جزئية ووقتية بينما النظام الإسلامي كلي ودائم. ومن ثم لا يجوز ربطه بنظام ولدته ضرورة طارئة ومصيره إلى التحور أو إلى الزوال. فضلا على أنه هو الأصل الذي تقرن الاشتراكية اليه، فيقال: إن فيها ما يشبه الإسلام في كيت وكيت، ولا يجوز أن يقرن الإسلام اليها وهو سابق عليها بثلاثة عشر قرنًا من الوجهة التاريخية!

ثم يبقى هنالك فارق موضوعي أصيل، وهو أن الشتراكية بسبب أنها مذهب مادي اقتصادي بحت، مجرد من العناصر الأدبية التي تمازج النظام الاجتماعي في الإسلام. لهذا السبب يمكن أن يقوم في ظلها استعمار خبيث كالاستعمار الانجليزي، دون ما حرج ولا تعارض مع صلب النظام الاشتراكي، الأمر الذي لا يمكن أن يتم في ظل النظام الاجتماعي الإسلامي، بسبب ارتكان هذا النظام إلى عقيدة أدبية تنكر هذا اللون من الاستعمار إنكارًا باتًا. . إن النظام الاجتماعي في الإسلام نظام انساني عالمي، أما النظام الاشتراكي فنظام قومي محلي. . وهذا الفارق الأساسي في طبيعة النظامين تترتب عليه فروق كثيرة، تجعل المشابهات بينهما مجرد اتفاقات ظاهرية وجزئية.

أما النظام الشيوعي فتصطدم فكرته بفكرة الإسلام من أساسها، ومع أن الشيوعية قد تلتقي بالإسلام في محاربته للطغيان الرأسمالي، وفي توفير الضروريات لكل فرد، وهي أصل ملكية الجماعة للمال، إلا أن التصادم بين طبيعتها وطبيعة الإسلام كلي وعنيف وعميق.

إن المادية الجدلية تنفي كل مؤثر في حياة البشر - بل في الكون كله - خارج عن الطبيعة المادية لهذا الكون، وبهذا تصطدم منذ الخطوة الأولى بالعقيدة في الله، التي تقول بأن هناك إرادة عليا في الكون هي التي تصرفه، وإن كانت تصرفه وفق ناموس ثابت"سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا".

وميزة العقيدة الإسلامية هنا أنها - وهي تثبت وجود الناموس الذي يجري الكون عليه، وتقول: إنه ناموس لا يتخلف - لا تنسى أن هذا الناموس لا يوجد ذاته؛ فتثبت تلك الإرادة العليا التي أوجدت الناموس، وتفسر وجود الحياة على وجه الأرض، ولا تهرب من هذه العقدة التي لا تجد لها المذاهب المادية حلا غير الهروب منها!

والمادية التاريخية تصغر من قيمة الدور الذي يؤديه الإنسان في تطوير الحياة ونظمها وقوانينها وعلاقاتها الاجتماعية، أو تنفيه أحيانًا، وتجعل الدور الأساسي لأداة الإنتاج"فحسب هذه النظرية تجد أن الأسباب النهائية لكافة التغييرات والتحولات الأساسية يجب البحث عنها لا في عقول الناس، أو سعيهم وراء الحق والعدل الأزليين، وإنما في التغييرات التي تطرأ على أسلوب الإنتاج والتبادل"كما يقول"انجلز"صديق كارل ماركس وزميله في صياغة النظرية! ذلك بينما الإسلام يعد الإنسان خليفة الله في الأرض ويجعل له الدور الأساسي في كل ما ينشأ على وجهها من تغييرات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت