"ونظام الإقطاع عبارة عن أسلوب من الإنتاج؛ الصفة المميزة له هي التبعية الدائمة Serfdun ويعرفونه بأنه نظام يلتزم المنتج المباشر نحو سيده أو مولاه بأداء مطالب اقتصادية معينة، سواء أكانت تلك المطالب تؤدى على هيئة خدمات يقوم بها، أم على شكل مدفوعات (أو استحقاقات) يؤديها نقدًا أو عينًا، ولتوضيح ذلك، نقول إن المجتمع الإقطاعي كان ينقسم إلى طبقتين: الأولى وتشمل ملاك الابعاديات الإقطاعية، والثانية وتتكون من المزارعين على اختلاف مراتبهم، فمنهم الفلاحون والعمال الزراعيون والعبيد، وإن كان عدد الأخيرين ظل يتناقص باطراد وبسرعة، فهؤلاء الفلاحون - أي المنتجون المباشرون - لهم الحق في حيازة مساحة من الأرض يعتمدون عليها بوسائلهم في كسب معاشهم وإنتاج ما يلزمهم من أسباب العيش؛ كما يمارسون في بيوتهم الصناعات البسيطة التي تتصل بالزراعة: ولكنهم مقابل ذلك يلتزمون بأمور عدة، مثل الخدمة الأسبوعية في أرض الشريف مع آلاتهم وماشيتهم، والخدمة الإضافية في المواسم الزراعية، وتقديم الهدايا في الأعياد والمناسبات الخاصة، وعليهم كذلك أن يطحنوا غلالهم في المطاحن التي يقيمها الشريف، وأن يعصروا كرومهم في معصرته. ."
وكان الشريف يمارس أمور الحكم والقضاء. أي أنه يشرف على تنظيم الحياة الاجتماعية والسياسية بالنسبة إلى أهل منطقته، كما أن المفروض فيه أنه مسؤول عن حماية هؤلاء الفلاحين، ودفع العدوان عنهم، ومن هنا نجد أنفسنا أمام تبادل الالتزامات [2] .
خليط من نظام الرق ونظام الإقطاع كان يسود الدولة الرومانية عندما أشرق فجر الإسلام، أما الجزيرة العربية التي شهدت مولده، فقد كان خليط من نظام البداوة الأولى ونظام الرق هو السائد فيها؛ ولم تكن قد عرفت بعد شيئًا من نظام الإقطاع، كما أنها لم تعرفه من بعد، بسبب وجود الإسلام.
وفي مثل هذا الجو وجدت المبادىء التي لم تتغير إلى هذه اللحظة؛ والتي ما تزال في عمومها سابقة على آخر ما عرفته البشرية من أفكار ومذاهب اجتماعية في العصر الحديث. .
وهذه وحدها شهادة قاطعة على أن النظام الاجتماعي الإسلامي هو من صنع نفسه، بإشراف الشريعة الإلهية التي أوجدته وطورته، لا من صنع العوامل التاريخية والاقتصادية، كما هو الشأن في النظم التي عرفتها أوربا، والتي يتحدث عنها الماركسيون كما لو كانت نظمًا عالمية، ويعطونها صفة الجبر التي لا فكاك منها!
إنه ليس من الطبيعي - إذا صحت نظرية المادية الجدلية وفكرة الجبرية الاقتصادية - أن تولد شريعة في عهد الرق أو في عهد الإقطاع، فتتضمن مبادىء لا تقف عند نظام الرق ولا عند نظام الإقطاع، ولكن تتخطاهما معًا، فيوجد فيها مشابه من النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي والنظام الشيوعي - وكلها نظم لم تكن في الحسبان يومذاك - كما توجد فيها مبادىء أخرى مستقلة عن تلك النظم كلها، ما تزال البشرية تتطلع إلى تحقيقها وتطبيقها في مستقبلها.
وما كان في وسع شريعة بشرية تولد في عهد الرق أو في عهد الإقطاع، أن تتضمن ما تضمنته الشريعة الإسلامية من ناحية المستقبل البشري، بدليل أن جميع الشرائع والنظم الاجتماعية والمبادىء القانونية التي كانت سائدة في ذلك التاريخ قد انتهى أمرها، ولم تعد صالحة للحياة في العصور الحديثة، ولا ملبية لحاجات البشرية، بينما المبادىء الإسلامية وحدها هي التي تستمتع بهذه الخاصية، لا للحاضر وحده ولكن للمستقبل كذلك، لأن الكثير منها ما يزال سابقًا للنظم الوضعية القائمة. . وبذلك تسقط نهائيًا حكاية الجبرية الاقتصادية وحطاية التطور التاريخي للنظم الاجتماعية على الترتيب الذي تفرضه الماركسية.