لقد جاء الإسلام فوجد جذور عهد الرق ما تزال ثابتة وعميقة، فابتدأ بالبشرية من هذا السفح، ليأخذ بيدها إلى آفاق الإنسانية العالية، التي تهدف إليها مبادئه الكريمة، ولكنه - وهو دين الفطرة - لم يكن ليقفز بها قفزًا، والمهم أن تثبت أن مبادئه العليا التي تسبق اليوم آخر ما وصلت إليه البشرية في خلال أربعة عشر قرنًا كانت قائمة فيه منذ اليوم الأول. وأنه منذ ذلك اليوم قد أخذ بيد البشرية في طريق الترقي إلى الآفاق المرسومة خطوة خطوة فكان التطور، لا في مبادئه وأهدافه، ولكن في قرب البشرية يومًا بعد يوم من هذه المبادىء والأهداف وهذا ما ينفي فكرة التطور التاريخي من أساسها بالقياس إلى الفكرة الإسلامية وإلى نظام المجتمع الإسلامي.
لقد بدأ الإسلام بالبشرية من حيث هي، ليربطها بعراه ربطًا واقعيًا، ثم ليقودها بعد ذلك في مدارج الكمال. . جاء والرق نظام عالمي، واسترقاق أسرى الحرب عُرف دولي، وكان يملك أن يبطل الرق في املجتمع الإسلامي بجرة قلم، كما أبطل الربا، ولكنه في هذه الحالة ما كان ليزيد على أن يترك الأسرى من المسلمين يسترقون عند أعدائه، بينما يحرر هو أسرى الأعداء عنده، وذلك يُطمع أعداء الإسلام والمسلمين وهم يؤسَرون للمسلمين فيتحررون، ويأسرون المسلمين فيتخذون منهم عبيدًا وإماء حسب العرف الدولي السائد في ذلك الزمان.
لهذه الضرورة الواقعية التي لم يكن يملك الإسلام في نشأته لها حلا، لأنه لا يملك أن يجبر الآخرين على تحرير الأرقاء وعلى عدم استرقاق الأسرى، ولا يملك أن يجعل أسرى المسلمين للكافرين وحدهم أرقاء، بينما يحرر هو أسراه من الكافرين.
لهذه الضرورة الواقعية وضع الوسائل الكفيلة بتجفيف موارد الرق في المستقبل، حتى يصبح من الممكن عقد معاهدات دولية تمنع استرقاق أسرى الحروب، ولم ينص هو على استرقاقهم كي يدع الأمر مفتوحًا، بل أشار إلى إطلاقهم فقال:"إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا" [3] ولكنه ترك للدولة المسلمة حرية التصرف حسبما تقتضيه الأحوال.
ترك الإسلام الأمر على هذا الوضع من ناحية المبدأ - مراعاة لواقع البشرية كلها في ذلك الزمان، ثم راح يعالجه من ناحية الموضوع على طريقته التحريرية، واتجاهاته الإنسانية. . وحينما كان العبيد في الدولة الرومانية بجانبه يلقون للوحوش الكاسرة يصارعونها للترويج عن صدور السادة؛ وبينما كان من حق السيد أن يمثل بعبيده كيف شاء، وبينما كان القانون الروماني يضع مواد لمعاملة السادة ومواد لمعاملة العبيد. . بينما كان هذا يقع في العالم كله، وفي قلب الجزيرة العربية التي شهدت مولد الإسلام، كان محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وهو من ذؤابة قريش أشرف العرب يزوج ابنة عمته زينب بنت جحش من مولاه زيد، وكان يولي أسامة بن زيد قيادة جيش المسلمين الذاهب لمحاربة الروم وبين جنوده أبو بكر وعمر وزيرا رسول الله والخليفتان بعده - عليهما رضوان الله - وكان بلال بن رباح الحبشي هو داعي الدعاة إلى الإسلام، وسلمان الفارسي هو مستشاره الحربي، وصهيب الرومي من صحابته الذين يأذن لهم عمر بن الخطاب قبل أن يأذن لأبي سفيان. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"من قتل عبده قتلناه ومن جدع عبده جدعناه" [4] .