وحين نعرض مقومات المجتمع الإسلامي بالتفصيل سيتبين الناس صدق هذا الذي نقول. أما الآن فأكتفي بعرض خفيف لخصائص النظم الاجتماعية التي عرفتها البشرية في أوربا، نتبين على ضوئها أن النظام الإسلامي نظام متفرد بينها، ليس واحدًا منها، وليس خليطًا من بعضها، وأنه لم ينم نموها، ولم يسلك طريقها، ولا ينطبق تاريخها على تاريخه، ولا نشأتها على نشأته، ولا تساير أصولها أصوله، وإن وقع التشابه بين بعض مظاهرها وبعض مظاهره عن طريق العرض والإتفاق:
إن الدراسات الاجتماعية الغربية تقول - متأثرة في هذا بالتاريخ الأوروبي وحده لا التاريخ الإنساني: إن البشرية قد مرت في أطوار متتابعة هي: الشيوعية الأولى، فالرق، فالإقطاع، فالرأسمالية، فالاشتراكية في طريقها إلى الشيوعية.
فأما الشيوعية الأولى؛ فهي مجرد فرض لا دليل عليه يطمأن اليه، فرض يقوم على تصور مرحلة في تاريخ الإنسان، خرج فيها من حالة الحيوانية، وعاش أفراد الجماعة عيشة شيوعية كاملة، يشتركون فيها في الملكية العامة، وفي الجهد الذي يبذلونه جماعة، وفي التمتع بثمرة هذا الجهد المشترك.
واستمرت مدة اعتماد الإنسان في معاشه على وسيلة الصيد، ثم انتهت عندما عرف الزراعة واستئناس الحيوان ورعي الماشية التي أخذت قطعانها تتزايد وتحتاج إلى من يرعاها. . وهنا عدلت القبائل عن تقاليدها في قتل الأسرى واستخدمتهم رقيقًا لرعي الماشية وحلبها. . وبذلك ظهر عهد الرق التالي.
وعهد الرق هو العهد التاريخي الذي نملك وسائل إثباته التاريخية، أما الشيوعية الأولى فهي مجرد فرض لا ترتقي الأدلة عليه إلى درجة الإثبات العلمي.
وفي وقت من الأوقات كان سكان الامبراطورية الرومانية يتكونون من طبقتين: طبقة الأحرار وتضم حوالي ربع السكان، وطبقة العبيد وتؤلف نحو ثلاثة أرباع تلك الامبراطورية.
"وكانوا يعاملون معاملة طابعها القسوة؛ فهم يعملون نهارًا في الاقطاعيات، فإذا جن الليل كبلوا بالسلاسل، وألقي بهم في الكهوف التي يقضون فيها الليل، ويقوم عليهم حراس أشداء غلاظ القلوب؛ وكانت العقوبات التي توقع عليهم تتراوح بين الجلد والصلب، وهذا خلاف استخدامهم كوسيلة لتسلية السادة الأحرار؛ وذلك بإقامة المبازرات الوحشية، أو بحملهم على مقاتلة الأسود، وكان ذلك كله يجري في حفلات يقبل عليها الأحرار في شغف" [1]
ثم زال عهد الرق تدريجيًا وحل محله نظام الإقطاع بعد ما تعددت ثورات العبيد على سوء المعاملة وقل إنتاجهم في الحقول.