الصفحة 25 من 59

وهذه الموازنات الموضوعية بين النظام الاجتماعي الإسلامي وسائر النظم الاجتماعية الأخرى هي الطريقة الجدية الوحيدة التي تستحق الاحترام، والتي تتفق مع المنطق العلمي. . أما رفض ذلك النظام لمجرد أنه وضع - أول ما وضع قبل أربعة عشر قرنًا - دون نظرة موضوعية فيه، ودون موزنة موضوعية بينه وبين سواه، فذلك تصرف لا يستحق الاحترام العقلي، ولا يركن اليه رجل يحترم عقله ويتكلم بغير طريقة الببغاوات!

والذي يأخذ في موازنة موضوعية بين نظام المجتمع الإسلامي وسائر النظم الاجتماعية يجد في يسر أن ذلك الأصل الثابت أشد مرونة، وأكثر طواعية، وأكبر استعدادًا لتلبية التطور الجديد في حياة البشرية من كل النظم الجديدة التي تسمى"تقدمية"وهي حين تقاس إلى مبادىء الإسلام تبدو متخلفة في عمومها، كما يبدو فيها التناقض والنقص والتعسف، بالقياس إلى تلك الشريعة المرنة الشاملة، الملبية للفطرة في غير تعسف، والسابقة لخطو البشرية حتى هذه الأيام. .

ومن ثم يسهل أن يقال: إنه من الخير قطعًا أن يكون التطور الاجتماعي أصل ثابت يفيء إليه، ما دام هذا الأصل الثابت لا يعوق النمو، ولا يتعسف تصريف الأمور.

أما هذه الموازنات ذاتها فسأعرض لشيء منها في مناسباتها المتفرقة في فصول هذا البحث؛ وإن كان حسبي أن أعرض مقومات المجتمع الإسلامي، لتكون حاضرة للموازنة بينها وبين مقومات أي مجتمع آخر. فمقومات المجتمع الإسلامي هي المجهولة لدى الكثرة الضخمة ممن يسمحون لأنفسهم أن يجهلوها، ثم يدعوا أنهم مثقفون، بل يسمحون لأنفسهم - دون معرفة - أن يحكموا بين شيء يعرفونه وشيء يجهلونه وهم يدعون البحث العلمي!

إن الشريعة الإسلامية الثابتة لترتكز إلى عدة خصائص هي التي كفلت لها إنشاء مجتمع قابل للنمو والتجدد، ولأن يكون دائمًا قديرًا على تحقيق مطالب البشرية المتجددة.

هذه الخصائص هي:

1 -إنها - وهي من صنع إله يعرف طبيعة خلقه - قد جاءت وفقًا للمقومات البشرية المشتركة العامة؛ أي وفقًا لأصول الفطرة البشرية. تلك الفطرة الثابتة التي لا تزول ولا تنمحي، ولكنها تتحور وتنمو وتتشكل مع بقاء أصلها الثابت الذي منه تنمو. . وفي المقال السابق شرحت هذه الخاصية بما فيه الكفاية.

2 -إنها جاءت في صورة مبادىء كلية عامة، تقبل التفريع والتطبيق في الجزئيات المتجددة والأحوال المتغيرة، دون أن تفارق أصولها الأولى ودون أن تضع حلولا جديدة لمشكلات هي بطبيعتها متجددة، وقد فصلنا القول في هذا عند الكلام عن الفقه والشريعة في المقال الماضي.

3 -إن هذه المبادىء الكلية العامة جاءت شاملة لكل أصول الحياة الإنسانية وجوانبها جميعًا، فتناولت حياة الفرد، وارتباطات الجماعة، وأسس الدولة، والعلاقات الدولية، كما تناولت حياة الإنسان في كل مجالات النشاط؛ ووضعت لها التشريعات التي تنظمها جنائيًا ومدنيًا وتجاريًا واجتماعيًا وسياسيًا، فلم تترك جانبًا و احدًا منها دون تنظيم عن طريق القانون. وما تزال النظريات التي تضمنتها في هذه النواحي سابقة لكل ما وصلت إليه النظريات التشريعية الأرضية.

4 -إن المبادىء الاجتماعية التي قامت على أساسها جاءت تقدمية - وما تزال كذلك - فاندفعت بالبشرية إلى الأمام؛ وما تزال قادرة على إعادة هذا الدور، لأنها بالقياس إلى الأوضاع الاجتماعية السائدة وإلى النظريات الاجتماعية السائدة كذلك ما تزال سابقة ومتفوقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت