الصفحة 11 من 28

وقد لا نكون بحاجة إلى التأكيد بأن علوم علم الواقع تتقدم بسرعة، وتتأصل بشكل مذهل حقيقة، وتتشعب إلى شعب تخصصية دقيقة، في محاولة لتغطية جميع مساحات الحياة .. ففي علم الاجتماع والمجتمع بات هناك علوم اجتماع متنوعة بحسب موضوعاتها في الميادين السياسية والاقتصادية .. وعلوم الإنسان بلغت شأوًا، وبدأت تضع يدها على حقائق لا يمكن تجاهلها ولا تجاوزها .. وعلم النفس يتقدم ليدخل المواقع كلها، ويحتل مكانه، ويدلي بشهادته على كل حالة، ولعلنا نقول: إنه تجاوز إمكانية قراءة الحاضر إلى محاولة صناعة المستقبل، وتحضير الناس له بزرع اهتماماتهم وتشكيل أهدافهم.

حتى أنه يمكن القول: بأن وسائل وأدوات سبر حقيقة المجتمع، وكشف خفاياه، ومعرفة واقعه، وتحديد وجهاته، أصبحت علومًا.

فعلم الإحصاء وحصر الإمكانات والاستطاعات والمسح والبحث الاجتماعي بوسائل منهجية للتقويم والقياس لم يعد أرقامًا جامدة، وإنما يعبر عن مؤشرات ويحمل دلالات لا يمكن تجاهلها عند أي دراسة أو تخطيط أو تجديد أو تنمية للموارد البشرية والمادية .. فلم يعد علم الإحصاء أداة ووسيلة، وإنما أصبح مقومًا لا يمكن تجاوزه.

حتى أن استطلاع الرأي والتعرف على التحولات الاجتماعية وأسبابها، أصبح علمًا وفنًا، لا يقتصر على قراءة الحاضر وإنما يتجاوز إلى التأثير فيه والتوجيه له.

وليست الاستبيانات وفنية وضعها وما يطرح فيها من أسئلة، وما يتوصل إليه من نتائج، بأقل شأنًا في علم الواقع وامتلاك مفاتحه، والدخول إليه من أبوابه، بعيدًا عن المجازفات والخبط الأعشى.

ويبقى التاريخ بحق، وتاريخ النبوة بشكل أخص، هو أبو العلوم الاجتماعية جميعها، لذلك نجد هذا الرصيد التاريخي من قصص الأنبياء مع أقوامهم في الكتاب والسنة، ليدخل المسلمون أصحاب الرسالة الخاتمة الحياة من مساراتها الصحيحة، ويدركوا سنن التسخير، ويتحققوا بالعبرة .. فالتاريخ هو مختبر الفعل الإنساني ودليل قانون الحركة الاجتماعية، لذلك كان التوجه إليه والاطلاع عليه من الفروض الاجتماعية أو الحضارية.

إن علوم علم الواقع اليوم أشبه بالحواس والنوافذ العقلية للحركة الإنسانية، والأمة التي تفتقدها في عالم اليوم أمة تعيش فيما يشبه مدارس الصم والبكم.) [1]

ثانيًا - كيفية دراسة الواقع: (مخابر تحليل الواقع) :

تمر عملية دراسة الواقع بشتى دوائره بمراحل متعددة، ودراسة هذا المراحل وفهمها يسهل علينا الانتقال للواقع التطبيقي لهذا العلم ويسهل علينا ممارسته وهذه المراحل هي:

1)مرحلة وصف الواقع:

-تعريف بالمرحلة: والمقصود بها (جمع البيانات والمعلومات) عن الظاهرة أو الحقيقة الواقعية محل الدراسة، سواء كانت هذه الظاهرة أو الحقيقة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو من أي مجال من مجالات دراسة هذا العلم. [2]

ويفرق بعضهم بين البيانات والمعلومات، فالبيانات عندهم: (المادة الأولية أو المعطيات البكر التي نستخلص منها المعلومات) ، أما المعلومات فهي (ناتج معالجة البيانات، من مؤشرات وعلاقات ومقارنات وغيرها) [3] .

وهو تقسيم اصطلاحي لا بأس به لتسهيل الدراسة والتمييز بين ملفات العمل، وسوف نجري عليه في هذا المبحث.

يعد جمع البيانات حول حادثة أو موقف أو أي ظاهرة كآلية صنع قرار في بلد معين، أو الحديث عن نظام حكم، أو نظام دولي وغيرها من الظواهر، يعد الخطوة الأولى في سبيل فهم واقعنا والخطوة التي لا بديل عنها، والتي تسبق خطوة التحليل والتفسير.

(1) بتصرف عن فقه الواقع / أحمد بوعود (14 - 16)

(2) بتصرف عن مقال للأستاذ حسن المهندس في مجلة المنطلق بعنوان (محددات فهم الواقع) .

(3) العرب وعصر المعلومات / د. نبيل علي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت