الصفحة 64 من 529

كما أنه لا بنبغي أن يُشَنَّع عليه بها، ولا يُنتقص من أجلها، أو: يعتقد فيه الإقدام على المخالفة بحتًا، فإن هذا كله خلاف ما تقتضي رتبته في الدين ... إنه لا يصح اعتمادها-أي: زلة العالم-خلافًا في المسائل الشرعية؛ لأنها لم تصدر في الحقيقة عن اجتهاد، ولا هي من مسائل الاجتهاد، وإن حصل من صاحبها اجتهاد، فهو لم يصادف فيها محلًا، فصارت في نسبتها إلى الشرع كأقوال غير المجتهد، وإنما يعد في الخلاف الأقوالُ الصادرة عن أدلة معتبرة في الشريعة، كانت مما يقوى أو: يضعف، وأما إذا صدرت عن مجرد خفاء الدليل أو: عدم مصادفته فلا؛ فلذلك قيل: إنه لا يصح أن يعتد بها في الخلاف، كما لم يعتد السلف الصالح بالخلاف في مسألة ربا الفضل، والمتعة، ومحاشي النساء وأشباهها من المسائل [1] التي خفيت فيها الأدلة على من خالف فيها) [2] .

قال الشيخ بكر أبو زيد: (فهذه الآراء المغلوطة لم تكن سببًا في الحرمان من علوم هؤلاء الأجلة، بل: ما زالت منارات يهتدى بها في أيدي أهل الإسلام، وما زال العلماء على هذا المشرع ينبهون على خطأ الأئمة مع الاستفادة من علمهم وفضلهم، ولو سلكوا مسلك الهجر لهُدِّمت أصول وأركان، ولتقلص ظل العلم في الإسلام، وأصبح الاختلال واضحًا للعيان، والله المستعان) [3] .

قال العلامة المحقق ابن القيم: (والكلمة الواحدة يقولها اثنان، يريد بها أحدهما: أعظم الباطل، ويريد بها الآخر: محض الحق، والاعتبار بطريقة القائل وسيرته ومذهبه، وما يدعو إليه، ويناظر عنه) [4] .

وأسند البخاري في كتاب الشروط من (صحيحه) قصة الحديبية ومسير النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-إليها، وفيها: (وسار النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها، بركت به راحلته، فقال الناس:"حَلْ حل" [5] ، فألَحَّت [6] ، فقالوا: خلأت [7] القصواء، فقال النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-:"ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل) ."

قال الحافظ ابن حجر في فقه هذا الحديث: (جواز الحكم على الشيء بما عُرف من عادته، وإن جاز أن يطرأ غيره، فإذا وقع من شخص هفوة لا يُعهد منه مثلها، لا يُنسب إليها، ويُرد على من نسبه إليها، ومعذرة من نسبه إليها ممن لا يعرف صورة حاله؛ لأن خلأ القصواء لولا خارق العادة لكان ما ظنه الصحابة صحيحًا، ولم يعاتبهم النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-على ذلك لعذرهم في ظنهم) [8] .

قال بكر أبو زيد: (فقد أعذر النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-غير المكلَّف من الدواب باستصحاب الأصل، ومن قياس الأولى إذا رأينا عالمًاعاملًا، ثم وقعت منه هِنة أو: هفوة، فهو أولى بالإعذار، وعدم نسبته إليها والتشنيع عليه بها-استصحابًا للأصل، وغمر ما بد منه في بحر علمه وفضله، وإلا كان المعنِّف قاطعًا للطريق رِدءًا للنفس اللوامة، وسببًا في حرمان العالَم من علمه، وقد نهينا أن يكون أحدنا عونًا للشيطان على أخيه ...

قال الصنعاني: (وليس أحد من أفراد العلماء إلا وله نادرة ينبغي أن تغمر في جنب فضله وتجتنب) [9] .

وقد صح من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (من أقال مسلمًا أقال الله عثرته) [10] .

وفي رواية من حديث عائشة مرفوعًا: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود) [11] .

قال الإمام الشافعي: (ذوو الهيئات الذين يُقالون عثراتهم الذين ليسوا يُعرفون بالشر، فيزل أحدهم الزلة) [12] .

(1) -قال ابن مسعود: (ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلًا، إن آمن آمن، وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر) . (جامع بيان العلم وفضله) (2/ 988/رقم:1882) .

(2) -انظر: (الموافقات) (5/ 136/137/ 139) .

(3) -انظر: (تصنيف الناس بين الظن واليقين) (ص:91) .

(4) -انظر: (مدارج السالكين) (3/ 521) ، و (ذاكرة سجين مكافح) (3/ 64) .

(5) -حل حل: كلمة تقال للناقة إذا تركت السير، يقال:"حلحلت فلانًا": إذا أزحته عن موضعه.

(6) -ألحت: تمادت على عدم القيام، وهو من الإلحاح.

(7) -الخلاء للإبل، والحران للخيل، والقصواء: اسم ناقة رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-.

(8) -انظر: (فتح الباري) (5/ 335) .

(9) -انظر: (تصنيف الناس بين الظن واليقين) (ص:91) .

(10) -رواه أبو داود في (سننه) كتاب الحدود (4/ 133/رقم:3460 - بإسناد حسن) ، وابن ماجه في (سننه) (رقم:2199) ، والبيهقي في (السنن الكبرى) (6/ 27) ، وصححه جماعة من الحفاظ والمحدثين منهم:

1 -ابن حبان في (صحيحه) (رقم:1103) ،

2 -والحاكم في (مستدركه) (2/ 45) ،

3 -وابن حزم،

4 -وابن دقيق العيد وغيرهم،

انظر كلام الحافظ ابن القطان عنه في (بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام) (2/ 93/94/رقم:65) ، و (2/ 449/رقم:451)

(11) -أخرجه أبو داود (رقم:3475) ، والإمام أحمد في (مسنده) (6/ 181) ، والبخاري في (الأدب المفرد) (رقم:465) ، وابن حبان في (صحيحه) (رقم:1520) ، وصححه أحمد شاكر، ومحققو (المسند-مؤسسة الرسالة) ، والألباني في (الصحيحة) (رقم:638) .

(12) -أخرجه البيهقي في (السنن الكبرى) (8/ 334) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت