ثانيًا: لقد كتبت رسالة في هذا الباب, في 1429هـ, وعنونتها بـ:"إظلال الغمام, على سيد إمام", وصلت في آخرها إلى الخلاصة وهي:"إن الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز فك الله أسره وإلى الحق رده يُصنف من الشيوخ المختلطين كما هو معروف عند المحدثين. وهذه الصفة يجب أن تُراعى جيدًا, ولا تُغفل: وفائدة دراسة الشيوخ المختلطين تمييز المقبول من حديثهم من غير المقبول, ولذلك نبهوا على أن"هذا فن عزيز مهم" [انظر فتح المغيث ص 485] ."
قال الحافظ ابن كثير: معرفة من اختلط في آخر عمره: إما لخوفٍ أو ضررٍ أو مرضٍ أو عرض كعبد الله بن لهيعة, لما ذهبت كُتبه اختلط في عقله, فمن سمع من هؤلاء قبل اختلاطهم قُبلت روايتهم, ومن سمع بعد ذلك أو شكَّ في ذلك لم تُقبل .. [انظر الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث ص 239] . إلى أن قلت في آخر الرسالة:"إذا فهمت هذا جيدًا؛ لن يصعب عليك فهم قولي وقول كل رشيد في هذه المعمورة: إن الأباطيل التي احتوتها وثيقة الترشيد تحت قدمي موضوعة.".اهـ [ص17] .
ثالثًا: يجب أن يُعلم أن نفوس العباد ليست واحدة؛ فمنهم من يصبر على الأسر والقيد, ومنهم من يرهقه ذلك, لذلك عده بعض أهل العلم من أفراد الإكراه الملجئ, فعن شريح أنه قال:"السجن كره .. والقيد كره".اهـ [المحلى 13/ 23] .
قال شيخنا أبو محمد المقدسي حفظه الله:"كما فرّقوا -أي: العلماء- فيما يُهدّد به المكره ويُخوّف بين الإكراه على المعاصي، وبين الإكراه على قول كلمة الكفر أو موالاة الكفار وأمثاله، فلم يُجوّزوا الثاني إلا لمن عُذّب عذابًا لا طاقة له به، وذكروا القتل والتحريق بالنار وقطع الأعضاء والتخليد في السجن وأمثال ذلك".اهـ [ملة إبراهيم ص71] .
ولك أن تتأمل في كلام الشيخ ناصر الفهد فك الله أسره حين قال معتذرا عما بدر منه وهو في الأسر, قال:"وأمّا مداهنتي السابقة للدولة فقد كنت متأولًا بأنني مكره والله سبحانه يقول: (إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) . وقد ثبت عن عمر أن السجن من الإكراه حيث يقول: (أربع كلهن كره السجن والضرب والقيد والوعيد) ، وقال أيضًا: (ليس الرجل يأمن على نفسه إذا ما أوثق أو عذب) . وقال ابن مسعود: (ما كلمة تردّ عني سوطين إلاّ كنت متكلمًا بها) . ولمّا امتحن المأمون السلف في مسالة خلق القرآن أجاب أكثرهم متأولين فرأيت في هذه الأدلة رخصة وفي السلف قدوة ففعلت ما فعلت ..".اهـ [التراجع عن التراجع المزعوم ص2] .
وقال شيخنا هاني السباعي حفظه الله:"يصر الدكتور سيد إمام على تأكيد أن وثيقته وليدة الشفقة والرحمة بالأمة وبشباب المسلمين وليس نتيجة إكراه لأنه في السجن! فإصراره هذا لا يغير من الأمر شيئًا! فعلماء السلف يقولون السجن كره والقيد كره وكان المسجون إذا عرض مقيدًا على القاضي ابن شبرمة يأمر بفك قيده ويقول:"القيد كره". ولا يأخذ بإقرار المسجون! وكان القاضي شريح يسير على هذا النهج ومن جاء بعده! يظن بعض الناس أن الإكراه في السجن والضرب أو التهديد بالقتل فقط! فقد يكون الإكراه ترغيبًا أيضًا بأن يعده الضابط بتخفيف العقوبة أو بتحسين وضعه في السجن والسماح له بزيارة ذويه أو بالإفراج عنه! إذن الإكراه قد يكون ترهيبًا وقد يكون ترغيبًا!".اهـ [تعليق أولي على وثيقة ترشيد العمل الجهادي ص2] .