وقد كان من نتيجة التفسير البشري الخاطئ لنطاق الدين ومقتضياته أن ظلت الحياة الواقعية تزداد بعدا عن الدين على الدوام بمرور الزمن حتى خرجت عن نطاقه نهائيا في العصر الحديث. فسارت السياسة على النهج الميكيافيللي الذي يبرر الكذب والخديعة والنفاق والغش والقتل والاغتيال والنصب والاحتيال في عالم السياسة وكله حرام في دين الله. وسار الاقتصاد على الربا وهو محرم في دين الله. وسارت العلاقات الاجتماعية على النفاق الاجتماعي مع العزلة الفردية الشعورية البغيضة التي يتحدث عنها الدوس هكسلي في كتابه"Texts and Pretexts"فيقول إن كل إنسان أصبح كأنه جزيرة وحده لا يربطها شيء بالجزر الأخرى المتناثرة في محيط الحياة وذلك مخالف لأمر الدين، وسارت العلاقات الجنسية على إباحة الفاحشة وجعلها أصلا معترفا به وهي محرمة في دين الله.
ثم كان من نتائج ذلك ما كان في واقع الأرض من فساد وتحلل واضطراب.
إن مخالفة قوانين الفطرة كما يقول ألكسس كاريل في كتابه"L'Homme Cet Inconnu"لا يمكن أن تمضي بغير عقاب صارم، لأنها حاسمة كقوانين الطبيعة! وهذه الفوضى وهذه الاضطرابات التي تغمر وجه الأرض اليوم هي العقوبة الصارمة على مجافاة قوانين الفطرة التي خلقها الله.
والعليم بهذه الفطرة هو خالقها سبحانه وتعالى وليس الإنسان! بل إن الإنسان أجهل ما يكون بنفسه كما يقرر ألكسيس كاريل بحق، إذ يقول إن الإنسان قد تعلم أشياء كثيرة جدا عن الكون من حوله ولكن جهله بنفسه جهل أصيل لا سبيل إلى التغلب عليه، لأنه يرى نفسه من خلال شهواته وأهوائه.
والله العليم بهذه الفطرة وبما يصلح لها ويصلحها، هو الذي نزل هذا الدين ليحكم حياتها الواقعة كما يحكم صلاتها الخاصة بالله سواء بسواء، وبإجراء واحد مبسط وعميق الأثر يربط الإسلام بين الدين والحياة كما يربط بين الدنيا والآخرة في ذات الوقت.
فالدين عقيدة وشريعة، عقيدة تحكم صلات القلب بالله، وشريعة تحكم واقع الحياة باسم الله، فيكون المتجه في الحالتين إلى الله، ويكون المعبود إلها واحدا، يعبد في المعبد في ساعة الصلاة، ويعبد هو ذاته بتنفيذ شريعته في بقية شئون الحياة. وتكون السياسة بذلك سياسة إسلامية، والاقتصاد اقتصادا إسلاميا وعلاقات المجتمع علاقات إسلامية، وعلاقات الجنسين علاقات إسلامية والفكر والفن إسلاميين، وكذلك بقية ألوان النشاط البشري، وتتنزل الشريعة شاملة للسياسة والاقتصاد والاجتماع وعلاقات الأسرة وعلاقات الرجل والمرأة وعلاقات الفكر وعلاقات العلم وعلاقات الفن، كما تشمل العلاقات الدولية في السلم والحرب سواء.
ويعلم الله منزل هذه الشريعة أن هناك أمورا ثابتة في حياة البشر وأمورا أخرى تنمو وتتغير، ولا يريد لها الله سبحانه وتعالى أن تجمد وتقف عن النمو، فينزل في شريعته للأمور الثابتة تفصيلات كاملة غير قابلة للتغيير، وللأمور المتغيرة أصولا ثابتة ولكنها تسمح بالنمو المستمر في داخل إطارها، ويتم ذلك باجتهاد العقل المؤمن لاستنباط الأحكام المتغيرة من الشريعة الثابتة بما يواكب النمو السليم لركب الحياة، وهو الجهد الضخم الذي قام به فقهاء الإسلام خلال التاريخ. وبذلك يتم الترابط الدائم بين الدين والحياة: لا تجمد الحياة على صورة واحدة ولا تخرج في نموها كذلك عن إطار الدين، كما قال الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:"يجد للناس من الأقضية بلقدر ما يجد لهم من القضايا".
ويوجد أخيرا بين الدنيا والآخرة.
وعن طريق هذا الترابط يتم كذلك توحيد طريق الدنيا والآخرة.