الصفحة 8 من 10

ليست المعرفة البشرية مسروقة من الله قهرا عنه كما تصورها أسطورة بروميثيوس، إنما هي منحة ربانية وهبها للإنسان، ولا يحتاج الإنسان أن يعصي الله ليتعلم، لأن الله هو الذي يأمره بالمعرفة! والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"طلب العلم فريضة"ولا يشعر الإنسان بالإثم حين يسخر طاقات السماوات والأرض لمنفعته ولا أنه يصنع ذلك تمردًا على إرادة ربانية تريد أن تكبته وتسحقه كما تصور الأساطير الإغريقية علاقة الإنسان بالآلهة، لأن الله هو الذي سخر له طاقات هذا الكون وأمره بعمارة الأرض:"هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا" (سورة هود: 61) ولا يشعر أخيرا أنه يعبد إلهين متنافرين لكل منهما مطالب تختلف عن مطالب الآخر. إنما هو إله واحد، طلباته واحدة في كل حالة. طلباته في الصلاة هي تقوى الله، وطلباته في العلم كذلك هي تقوى الله. فلا تستخدم ثمرات هذا العلم في الطغيان في الأرض بغير الحق، كما تستخدم الطاقة الذرية اليوم، ولا تستخدم في إفساد العقائد كما استخدمت إيحاءات الداروينية في تحطيم العقيدة، ولا تستخدم في إفساد الأخلاق كما تستخدم حبوب منع الحمل لتشجيع الفاحشة وكما تستخدم وسائل الإعلام في نشر الجريمة وإثارة الشهوات!

كذلك لا يشعر الإنسان أن الجهل والعجز فقط هما اللذان يخضعانه لله كما يقول جوليان هكسلي في كتابه"Man im the Modern World": وإنه حين يتعلم ويسيطر على البيئة يتمرد على الله ويصبح هو الله. إنما يزداد قربا من الله وتقوى كلما ازداد علما:"إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" (سورة فاطر: 28) ويطلب من ربه أن يزيده من العلم:"وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا" (سورة طه: 114) وبذلك يظل قلبه مرتبطا بالله وهو يتعلم، ويسير في الأرض مطمئنا وهو يسخر ثمار العلم للخير كما يقف مطمئنا إلى الله في الصلاة.

كذلك يوحد الإسلام بين الدين والحياة:

لقد خرجت الحياة عن نطاق الدين في أوروبا لظروف محلية ليست في أصل الدين. وتصور الغربي أن الدين علاقة بين العبد والرب محلها لقلب، وأن الحياة جهد بشري خالص لا علاقة لله به هو تصور خاطئ جاء به الغربي من عند نفسه لا بأمر من وحي السماء. وإذا كان الغربي يحاول أن يسند تصوره بذلك بالقول المنسوب إلى المسيح عليه السلام:"ما لقيصر لقيصر وما لله لله"فإنه لا يتصور أبدا أن يقول المسيح للناس إن الله هو رب السماء وقيصر رب الأرض يتصرف فيها كما يشاء! فذلك مناقض لأصل الدين كله، الذي يقول إن لله ملك السماوات والأرض، وإن قيصر ومن في الأرض جميعا ينبغي أن يخضعوا لحكم الله، إنما معنى العبارة -أن ثبتت نسبتها للسيد المسيح -هي أنه لا أمر أتباعه- يومئذ- بإعلان الحرب على القيصر، ويوجههم أن يؤدوا له الضرائب التي يطلبها إلى حين قيام الدولة التي تحكم بما أنزل الله وتخضع القيصر ذاته لحكم الله، ومثل ذلك موجود في الإسلام فقد قال الله للمسلمين في مكة قبل قيام الدولة الإسلامية"كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ" (سورة النساء: 77) ولكن لم يفهم أحد من المسلمين من هذا التوجيه أن الدين علاقة خاصة بين العبد والرب محلها القلب، وأن واقع الحياة اليومية يحكمها القيصر أو غيره من المشركين كما يشاءون! إنما كان هذا الأمر لفترة مرحلية، جاء بعدها إقامة المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية وإخضاع الحياة كلها لحكم الله، وصاحب ذلك إنزال تشريعات مفصلة تحكم كل واقع الحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت