هذا التصور الخاطئ للموضوع -حتى وإن كان أمرا واقعا في أوروبا- لا يمضي في طريقه دون إخلال بتوازن الإنسان وأمنه، إنه يحدث صراعا وتمزقا داخل النفس، بين عنصرين أصيلين فيها، كل منهما يحتاج إلى إشباع. فحين يشعر الفرد أن إشباعه لحاجته الروحية أمر خارج عن نطاق العلم، وأشباعه لحادته العلمية أمر خارج عن نطاق الدين، ويشعر في الوقت ذاته أنهما طريقان مفترقان ولا يلتقيان يكون في الحقيقة عابدًا لإلهين متنافرين، كل منهما يتطلب من عابده سلوكا ومنهجا وطريقة تصور مختلفة عن متطلبات الإله الآخر، في الوقت الذي لا غنى له عن عبادة الإلهين! فيتمزق بينهما شعر أو لم يشعر، ويكون هذا عنصرا من عناصر القلق في كيانه النفسي .. ثم إذا غلب على أمره في هذا الصراع فهو في الغالب يخضع لإله العلم، لأنه هو الذي يزوده بمطالب حياته اليومية، وينبذ إله الدين لأنه -في حسه- متعلق بعالم آخر ليس حاضرا في هذه اللحظة. هذا إن آمن بوجود هذا العالم الآخر على الإطلاق!
والإسلام -في بساطته الفطرية- يزيل ذلك التناقض بإجراء واقعي بسيط وبعيد الأثر في ذات الوقت.
إن الله الذي يتعبد إليه الإنسان في صلاته، هو ذاته الذي منح الإنسان المعرفة أول مرة، وهو الذي يدعوه إلى التعلم والمعرفة الآن:"وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا" (سورة البقرة: 31) "اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ" (سورة العلق: 1 - 5) ويدعوه إلى التدبر في أسرار الكون:"إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" (سورة البقرة: 164) ويحدثه بأن الله سخر له ما في السماوات والأرض جميعًا"وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ" (سورة الجاثية: 13) وما عليه إلا أن يتعلم السنن الكونية التي يجري بها الله أمور هذا الكون ليحقق هذا التسخير بجهده الجسمي والعقلي:"هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ" (سورة الملك: 15) .
وبذلك يتوحد المتجه ويتوحد الإله!